9.10.20

شهداؤنا الشقر


على مدار يومين ماضيين، انتشرت موضة فيسبوكية مذهلة، تتمثل في التعبير عن "القرف" من جلب جثمان الشهيد الطفل حسن شلبي إلى مدرسته، لإتاحة الفرصة أمام أصدقائه لكي يودّعوه.
أنا، كبهير، انبهرت.
لماذا؟
1.
طقوس توديع الميّت حاضرة في كل ثقافة. في التيبت مثلا، هنالك "لحّام" موتى. يجلبون إليه جثمان المتوفى، فيقوم بتقطيع الجثمان قبل نثر اللحم على قمة الجبل العالية لكي تأكله النسور.
لا شكّ أن الأمر يبدو وحشيا في نظر من يطمرون الجثامين لكي تتحلل ويأكلها الدود. المسألة مسألة وجهة نظر
2.
هل تساءلتم لماذا تبدو حدقات شخصيات الرسوم الكرتونية اليابانية دائرية، متّسعة، تكاد تشغل حيّز الثلث من الوجه البشري؟
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتوقيع الإمبراطور هيروهيتو الذي كان في نظر شعبه تجليا من تجليات الله، على معاهدة استسلام مذلّة مع الجنرال ساذرلاند، أصيبت اليابان بأسرها بالصدمة. لم تكن صدمة القنبلة النووية أشد أثرا عليهم من الاستسلام كحالة. لاحقا، اتسعت مفاعيل ظاهرة اجتماعية مقلقة: إذ تزايد الطلب على عمليات "التجميل" (تجميل؟ هذا اصطلاح يفترض أن هنالك مقاييس جمال كونية) وقد تلخصت هذه الطلبات في "توسيع فتحات العيون"، وترافقت معها بالطبع حملات بيع الصباغ الأشقر لليابانيات واليابانيين. كانت جلود هؤلاء،على ما يبدو، مشبعة بالخزي، فجرّبوا الخروج من جلودهم. لكن توسيع الحدقة في هذه الحالة كان ينمّ عن العمى.
3.
لنعد إلى "المعايير"
نكتة انتشرت في قواعد الجيش الأمريكي في أوكيناوا في اليابان: طفل يابانيّ زار الولايات المتحدة في إطار تبادل طلّابي ما، وعندما عاد، سأله والده: هل أحببت أمريكا؟
أجاب الطفل: بالطبع يا أبي لكنني كنت أتساءل طيلة الوقت: لماذا تبدو عيونهم غريبة؟
افتراض "كونيّة" المعيار الأشقر ، يقترح بالضرورة أن نظرة الأشقر إلينا هي معيار صحّنا من خطئنا:
-هل نأكل طعامنا مغمّسا؟
- صار الأمر يبدو مقرفا حتى في أنظارنا نحن.
-هل جلال الدين الرومي Cool?
(Sorry Ya3ni, I had to write something in English to grab your fucking intellectual attention )
-بالطبع هو كذلك، منذ أن اكتشفه الأجانب وصاروا يقلّدونه ويسمعون ألبومات عمر فاروق تكبيلك.
-لماذا تعدّ عهد التميمي أيقونة؟
- أوه، قمتم بالإجابة على هذا السؤال منذ زمن ليس ببعيد
4.
وعودة إلى طقوس الموت:
تنتشر، في غزّة، طقوس تقبيل الأشلاء الدامية للشهداء. يبدو الأمر أيضا مقرفا في نظر الشقر. نحن نقبّل الأشلاء لأسباب ثلاثة، أساسا: 1. نحن لسنا شقرا. 2. نحن في تضادّ مع الشقر، نحن نعيش في ظل حرب إبادة يشنها الشقر علينا ولا نتبنى قواعد الإتيكيت الشقراء التي تفترض أن الحنطيّ المهذب، يجب أن يموت طوعا، إمعانا في التهذيب. 3. نحن لا نأنف من الدم. بل إننا، حين نبني منازلنا، نغمّس أكفّنا بدم الأضحية، ونطبعها على الجدران. حين ننطلق تحت الموت، نقسم للصغار أننا شممنا، بأرانب أنوفنا، رائحة المسك تفوح من دمّ من سقطوا. الدمّ هنا مقدّس.
يتعامل الشقر، ربما، مع الدم بوصفه سائلا مقرفا، يخفي الشقر دمهم تحت الماكياج، وروائح أجسادهم تحت أطنان العطور (شذى يعيش، وهي فرانكوفونية، قامت في عزّ معركة الدفاع عن الأقصى باستهلاك علبة ديودرانت كاملة، من ماركة عالمية شهيرة، لترشّها على الناس المحتشدين في أضيق زقاقات القدس، في مواجهة الغاز والمطّاط والهراوات) أما المستشقرون منّا، فهم يتجذّرون في رفض روائح الجسد، في دحض احمرار الدمّ، لأنهم يأنفون من أجسادهم، بمعنى ما. إنهم يتهذّبون في حضرة المستعمر، فيموتون طوعا، أو يميتون ما يمكن لهم أن يميتوه من أجسادهم، وثقافتهم، ولهجاتهم (من فيكم يقول الآن "هاظا" في حضرة المدينة ؟) وأظلافهم. ووعر جبالهم، ويعتذرون عمّا تبقّى حيا.
هؤلاء، في نهاية المطاف، يريدون لأطفال غزة الذين يعيشون تجويعا وحصارا منذ 11 عاما، واحتلالات دموية منذ أن تشكّلت الكرة الأرضية، وفسفورا ينبثق من السماء ويزهر على جلودهم نارا لا تنطفئ، أن لا يروا جثمان الشهيد، لأنه، إحم، حرام يعني، طفولتهن يا شباب!
5.
هل نودّع الموتى لكي ننساهم؟ ربما. لكن الشهداء قضية، والقضايا التي تساوي الحياة لا تُنسى، مثل هذه القضايا يُنغمس فيها، يُقبّل الدم النازف منها، تُرفع أجساد شهداؤها، أطفالا ومكرسحين، وممزقين ومثقوبين، حتى لا ننسى أننا نتعرض للإبادة. علينا أن نمعن النظر في الثقوب وفي الأشلاء، وألا نطمر رؤوسنا في الرمل. أما بخصوص معايير التربية "الحديثة"، فعلينا أن نسائل هنا: من رسم المعايير: هل هي بنت ثقافتنا أصلا؟ بمعنى: هل هنالك مانع جامع مقبول لما هو "أخلاقي"؟ أليست الأخلاق والقيم "ديالكتيكية؟( ما كان مقبولا قبل خمسين عاما مرفوض اليوم، ما هو مقبول في ديترويت ليس مقبولا في جمّاعين).
أنا لست رجعيا، ولست دمويا، لكنني أحب الافتراض أنني معتزّ بثقافتي: ابنة الأرض والبيئة، ثقافتي التي تسري منّي كما تسري الشفرة الوراثية في عروق المتناسلين من ظهر الإنسان الأول في هذا الهلال الدامي المتّكئ على خاصرة المتوسط . عروق الذين شاهدوا المسيح ينزف، فقدّسوا دمه. والذين شاهدوا الحسين ينزف، فقدّسوا دمه، والذين يحتفلون في كل ربيع بـ"شقائق النعمان".
بالمناسبة: ("شقائق" النعمان هي "جراح" النعمان بن منذر، وهي تنبثق، حمراء كالدم، من الأرض في مطلع كلّ ربيع، موعد سحقه تحت أقدام فيلة الفرس الغزاة، لكي تذكرنا بالشقوق التي انفتحت في جسده وهو يدافع عن هذه الأرض)
6.
تحيّة دافئة معطّرة بالكراميل والتوت البرّي ذي اللون الدارج مع ألوان ٢٠١٩: نحن نتعرض للإبادة، يا أطفال مدارس غزة، تعلّموا هذا. ليكن جثمان الشهيد درسكم في التربية الوطنية، وليذهب الشقر والمستشقرون إلى الجحيم.

هناك تعليق واحد: