20.10.20

خلايانا




 



"
دم الشهيد إذا سقط، فإنه بيد الله يسقط". وكذلك وجهه المعفّر، نحو الكفّ الحانية ينهمر. نحو الخطوط في الكفّ. عليها سعار مصائرنا وشعثاء الطريق: غبار يختلط بصفرة الشمس وريح الجنة التي سقطت تحت البسطار قبل 73 عاما، لكنها لا تزال حيّة وتتنفس. دم الشهيد حين يسقط، يتغلغل في النسيج الصادي الجاف في ثنايا القميص، يشربه كما لو كان زمنا مستحيلا. ينتصب الدم في الثنايا كما لو كان نهوضا بعكس عادات الفيزياء، ثم يجف. تتسربل الأرض بالرعشة، ينتفض العمق بصمت، وَجيبُ التراب يتضح، رائحته تتّسعُ كتفين رحبين يحملان ارتعاشات الوجنة المظلومة، رائحة تنفذ في عمق التراب ولا تزول منه أومن طعم ما يشق الأرض نحو السماء، سنبلة أو صاروخا أو مولودا جديدا. نسمي أبناءنا وأزقّتنا وصواريخنا بأسمائهم،  وخلايانا أيضا نسمّيها بأسمائهم. لأنها، جميعا، الاسم الوحيد الواضح لكل ما تشتاق إليه خلايانا




دم الشهيد إذا سقط، نجثو عليه. دم الشهيد إذا سقط، يمتدّ فينا. دم الشهيد إذا سقط، تسقط الاتجاهات كلّها إليه.

دم الشهيد إذا سقط، يضرّج الشمس. يسربل الغيم. يلوّن حواصل الطير. يطرش المدى. دم الشهيد إذا سقط نحو كفّ الله، وقلوبنا، يسقط قمحا على الأرض، ملحا على الجرح، نارُ وعيٍ على الرؤية، بصيرة في الظلام، هتافا في الصمت، شعارا على الكونكريت، ودم الشهيد إذا سقط الشهيد، ودم الشهيد إذا سقط الدم: كان الله تحت الدم يلقّنه السر، وفوق الوعد يكتبه في المآقي.





دم الشهيد إذا سقط، فالأرض تخصب، والأرض تخضب، والأرض تغضب. لكنّما غضب الأرض ممارسة لوصول مستحيل بالآتي. غضب غير فضّاح، كالإصابة بالعشق، كالإصابة بالذاكرة الحيّة لوجه معرّق مؤطّر بذقن خفيفة، موشّح بالسمرة، كالإصابة برشقة الدم أو رشقة الرصاص. صمت يصخب في العروق. عروق تصمت رويدا رويدا، ثم ينسحب الدم الساقط في يد الله، ويقطر في الحدقات المفتوحة وحدها وفي وجه الشمس




دم الشهيد إذا سقط، فالوصية تبقى، ودم الشهيد إذا سقط، فالوصية تُرفع إلى مقام التنفيذ. ودم الشهيد إذا سقط، فالوصيّة ترفع فوق الأعناق، وتظل هامةً* تبكي فوق القبر، والتماعة في عيون الأطفال العارفين بكلّ شيء: سرّ الرحلة، منتهاها، مبتدأ المظلمة، منتهى الظلمة، عمقها، ونقطة انكسارها. لأنهم ينظرون في عين الشهيد




دم الشهيد الذي على السنسلة، دم الشهيد الذي على العرق الخشن للزيتونة، دم الشهيد الذي يقطر من سيارة الإسعاف، الذي يتجمّع على بلاط الأقصى، أو على العِليّة  العَليّة في قدّورة، أو يتسرب من شقوق الذاكرة، إذا سقط الدّم الشهيد، فإنه بيد الله يسقط، في كفّه المفتوحة، يضيء الأكوان.





"أورقي،
دمعك الأحمر في كل ضمير 
فغداً
ينمو في المدى
منحر!
ودّعي جسدي 
ثم خذي روحي صلاةً 
واعبري الدنيا 
بالدم الأحمر"

 

__
*
الهامة: طائر يقال أنه يخرج من رأس الميّت المغدور، ويظل ينوح في الليل فوق رأسه إلى أن يؤخذ بثأره

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق