1.7.20

الشعب والمدرسة


شتاء 88، قوة معزّزة من جيش ومخابرات الاحتلال تتوجه إلى الماصيون في رام الله، تقتحم منزل مها نصّار، القيادية النسوية المؤسسة في الجبهة الشعبية، والسكرتيرة السابقة لمجلس طلبة بيرزيت. وتقتادها، أمام أعين أطفالها الى الخارج.
يوقف الجنود مها تحت زخّ مطر رام الله الذي لا يرحم. يضعون عصبة قماشية على عينيها، أصفاد في يديها، ويُصعدونها، بالقوة، إلى الجيب العسكري.. نحو مسلخ التعذيب في المسكوبية.
تركت مها، في تلك الليلة خلفها، ثلاثة أطفال في منزل فارغ، لأن زوجها، هاني، كان هو الآخر معتقلا إداريا يصارع برد سجن أنصار 3. 
كانت تلك، على ما أظن، لحظة فارقة في صياغة الوعي بالتضادّ مع كل ما هو احتلال، وكل ما هو عمالة، وكل ما هو انكفاء، في أذهان الأطفال الثلاثة الذين واصلوا في تلك الليلة تعلّم الدرس الأهمّ الذي رغبت مها وهاني في تلقينهم إياه.
تركت مها نصّار الحياة بعد صراع مرير وباسل ضدّ كلّ شيء، كلّ شيء. وأظنّ أن زمن الحلّ السلمي هو الذي قتلها، لا المرض. لكنّ الدائرة لم تغلق بعد
::
تغيّرت الأرض، تغيّرت الجغرافيا، تغيّر وجه الصراع، لكن أمرا واحدا لم يتغير
الزمن: 1 تموز 2020
فجر اليوم.. 
قبل ساعات من الآن:
قوة عسكرية تقتحم، في رام الله، منزل حنين نصار الناشطة النسوية، العضوة السابقة في مجلس طلبة بيت لحم، زوجة المعتقل رامي فضايل.. إبنة مها نصّار، كبرى الأطفال الثلاثة الذين ظلوا وحيدين في المنزل في الليلة الشتوية السحيقة تلك.
يقتاد العسكر حنين إلى الخارج، أمام طفلتها، ميس.
يضعون عصابة على عينيها..
يضعون الأصفاد في يديها..
تصعد حنين إلى الجيب العسكري، وهي تترك ميس خلفها ، في البيت الخاوي، مع الدرس الأهمّ على الإطلاق.!
ولا أحد في هذا العالم.. لا أحد، أكثر فخرا اليوم بحنين من مها نصّار.. التي هي، بتعبير كنفاني "الشّعب والمدرسة".
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق