12.8.18

طرف الطاولة، طرف الحذاء، طرف كل شيء

أكره مذاق البيرة. أكره الامتلاء بالمرارة التي تبدأ من طرف اللسان. أحب مرارة النيكوتين، لذا، فقد استهلكت وقتي في لفّ السجائر وتدخين أنصافها منذ وصولي.
شيئا فشيئا تمتلئ المنفضة، وتمتلئ الطاولة  "معك ولعة؟" ..

تعليقات ساخرة، سلامات. محاولة لقتل الملل بالحديث الملغّز عن الجنس والتنظيم، ثم الجنس، ثم مظاهرة لجنة المتابعة. وضحك يتوالى. يتكرر كل شيء. نحاول تذكّر المرة الأخيرة التي التقينا فيها (أنا أعرف جيدا متى التقينا.. كان ذلك في مظاهرة تل أبيب، قبالة السفارة المصرية، بعد مجزرة شارع محمد محمود)

أكرع قنينة البيرة الأولى ثم أنظر إلى طرف حذائي، أواصل النظر إليه وأفكّر بالأصوات التي تأتي من كل صوب. الرفاق الآتين، إلقاء التحيات، ثم العودة للتحديق في فوهة القنينة الخضراء. لا يتحرك الوقت.

يندلع الضجيج من مكبرات الصوت!

أغاني وسام حبيب. الرفاق يغنّون معه (متى تمكّنوا من حفظ كلمات كل هذه الأغاني؟ كل هذه الترهات؟  ألم نكن نحفظ ترهات مشتركة قبلها؟ شو مع الاشتراكية رفيق؟) ثم زهير فرنسيس. ثم آخرين يغنّون أغان تتحدث عن الويل لمن يعادينا ، وعن سحب السيوف والزلازل  والمقتلات الرهيبة (الرفاق يكرعون البيرة) والحب، ثم الويل لمن يعادينا. ثم "ضلي معي". اللحن معروف، سمعته مليون مرة ولم أتمكن من فهم ما الذي يقوله المغني. دائما ما أسمع هذه الأغاني في الأعراس  وسط الضجيج، نشاز مرهق، أحاول تسلية نفسي بالتعرف على المقامات. "ضلي معي؟" .. وأنا أحدق في فوهة قنينة البيرة، أو في حذائي إن سمح غطاء الطاولة بذلك.

ضحك.. ضحك.. ضحك.. نكات عن الجنس، نكات عن التنظيم.. أغاني عن الزلزال. قناني البيرة تفرغ بسرعة. عرق. عرق بثلج، ثلج يذوب في الإناء، عرق بلا ثلج.
 كل مرة أكرع فيها العرق تذوب التفاصيل. أحدق في رأس حذائي إن تسنّى لي الأمر.
طعام، "طيّب الحمص". عرق. يصل الثلج.. "ضلي معي".. "سحب سيوف" . "حنّا عزوتك، معاك على الطاري/ الدارين / الظالم / الطارين؟" من يأبه ؟!


::

عرق.. عرق.. عرق ..
نكات لا أحد يسمعها بسبب الضجيج.. تنتظر إيماءة من فم ملقي النكتة لكي تضحك من معدتك لتجامله. وحين ينظر إلى اتجاه آخر، تبدأ في إبطاء الوتيرة . ثم تتجهّم.. المزيد من العرق.  المزيد من الضجيج. رفيق متعرّق يحضن رأسك ويشرشر في أذنك  صراخا مخلوطا برذاذ اللعاب والضجيج، لا تفهم شيئا. تهز رأسك، تضحكان، بواهههاهاهاهااع .
هعععععع

ععععع
ععع

(حرف العين هو الحرف الأكثر استخداما في الأعراس، حين يغني وسام حبيب، أو أي شخص أظنه وسام حبيب. )




حمامة بيضا رفّت فوق راس راغب علامة".. خلص العرق.. "ضلي معي".  (ضلي معي، عقارب هذه الساعة اللعينة في مكانها، تشربي عرق؟)

::

أنا البعصة التي تجلس على الكرسي في الأعراس. أنا النكد الذي يرتدي حذاء يستأهل النظر إليه طيلة السهرة. أشرب العرق بثلج أو بلا ثلج.  يجعر المغني: "ضلي معي"،  تنقطع أفكارك.
الوقت لا يتحرّك.. لا يتحرّك الوقت!

::

تحاول تفادي النظر في عيون الرفاق الراقصين الذين يبحثون عن شخص ما يسحبونه نحو حلبة الرقص. وحين تقع في الفخ، تتظاهر أنك آت بلا حاجة للاستعجال، تتركك صيّادة الراقصين الممنكرة، والمتمكيجة، والمتعرقة (كنتِ أحلى بتي شيرت أبناء البلد الأسود في المظاهرات يا رفيقة) ، فتقوم بنصف دورة وتعود إلى الكرسي. وتصفق للتشجيع..



 أي هذه الكؤوس كأسي؟ المليء طبعا. تنظر إليك صاحبة صاحبك التي لا تعرفها لأن صاحبك انشغل منذ سنوات في تعلّم أغاني وسام حبيب. تمسك الصبية بك متلبسا وأنت تسرق كأس العرق. تبتسم.  ترفع الكأس تحيّة لها، ثم تكرعه، وتعود إلى حلبة الرقص.

هعععع
ععع
ععععععع

::
يا إلهي !! كيف يصفّقون ؟
الرتم لا أفهمه. لا أدركه. أشعر بالخَرَق. يرتطم الكفّان ببعضهما بعد أن يرفع الرفاق الأكفّ تأهبا لتصفيقة أخرى.  وأتوقف قليلا محاولا تتبع لحظة التصفيق المثالية.. تتغير الأغنية .. موّال لصباح فخري .. هل أصفّق هنا أيضا؟
::

زلازل.. براكين.. وسام حبيب. حنا عزوتك، حنا للسيف حنّا.. حنّا للظيف حنّا.. وأحلى تحية للعروسين. والوقت لا يتحرك.

::
في نهاية المطاف تكتشف أن المغني يقول "مشّي معي". لا "ضلّي معي".
 أتذكر المرات التي اجتمعنا فيها في المظاهرات. العرق الذي تتشبع به الكنزات في رطوبة حيفا. تجميع أوراق النشرة تحضيرا لتدبيسها.. اجتماعات الانشقاق، اجتماعات التنسيق، الاعتصامات، التظاهر أمام المحكمة وعيون الحرّاس . كنت أستطيع المشاركة في الأحاديث وقتها. الآن لا شيء.. لا شيء. أواصل التحديق في قعر الكأس، في ذوبان الأبيض ثم تلاشيه. الدخان المبلول داخل الكأس. الإضاءة البنفسجية والوردية والضجيج والطاولة تهتز، والقلب ميّت

وقتها لم أكن أخطئ في حفظ كلمات الأغنيات.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق