"تعبت استهلكت مفيش فايدة، كلهم ولاد كلب واحنا بنفحت فى مياه، مفيش قانون خالص هيجيب حق حد بس احنا بنعمل اللى علينا، أهه كلمة حق نقدر بيها نبص لوشوشنا فى المراية، من غير ما نتف عليها، مفيش عدل وأنا مدركة ده، ومفيش أى نصر جاى، بس بنضحك على نفسنا عشان نعرف نعيش"
كانت جنازة جميلة، لم تكن كبيرة وهذا ما سمح بالذات للنحيب أن يحمل النعش على كتفيه الواسعتين.
مرفوعا، على كف التساؤل، صار الموت الإجابة الوحيدة الممكنة.
مرفوعا على كتف النحيب، صار وجع الحلق الصامت مذاق البلد.
الدموع التي لا تنهمر، لكنها تبقى عالقة بين الحاجبين وعلى الرموش، الدموع التي تجعل البلد والجنازة يموجان ويرقصان. الرقص على دفّ جنائزيّ يشيعنا جميعا.
كالحمام، يملك أهل هذا البلد بوصلة تدلّهم إلى المدافن، الموئل الوحيد للخلاص من براثن الطاغية، ومن أزمات السير، ومن التكهنات حول سعر القمح، وثمن السكوت على القمع.
كالحمام تماما، يدور الحزن حول المئذنة وحول القلب، وحول حبل الانتحار.
بلد قتيل يستوجب الانتحار، وجموع مطرقة تتحلق حول مشنقة ترتفع فوق الرؤوس
أي حلم هذا: أن يصير أعلى ما في البلد مشنقة؟
كانت زينب تعانق الميدان بشدة، لكي تسحب شرايينها منه، لا لكي تحتضنه. كانت قد أودعت أحلامها في الضباب الجليل الذي تنفثه آلاف النفوس المطمئنة إلى الحلم المتخلق في ميدان التحرير. الحلم الذي تنفثه الجثث في رابعة، والمغموس بالدم والغاز في شارع محمد محمود. بلد يتراوح ما بين الانتساب إلى المذبحة أو الركون إلى مكان ظليل تحت الحذاء العسكري والعلم الوطني والنشيد الذي تعزفه موسيقات القوات المسلحة بالكحك في مواجهة الذباب.
الانتحار على هذا التراب لا يتمثل بالمطلق في لفّ الأنشوطة على النحر، بل تحديدا في فكّ اللجام! هذا هو الانتحار: أن تصبح حرّا.... ولو لثانية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق