١.
تنتهي قصة العميل بالقضاء عليه جسديا، بعدها يُنسى تماما. تنتهي قصة العدو كرقم في سجل إنجازات الثورة المسلحة. أما الشهيد فيصبح جسده حقلا للتمجيد . يصبح جسد الشهيد "مرئيّا" أكثر بعد استشهاده. بمعنى أنه يتحول إلى حقل لممارسة "الانا الجماعية"، عنوانا لاستذكارها، زيتا يرفع من أوار نارها. اسم علم يُحكى عنه للاطفال، ويفتخر به من يعدّون امتدادا بيولوجيا له، ويسير على طريقه من يعدونه بوصلتهم.
صحيح أن أجساد المقموعين كلّها حقول لتجربة القمع.. تجارب الاسلحة والطيران والترهيب والكيماويات والسياسات وعلم النفس الاجتماعي والدراسات والأنثروبولوجيا والتعذيب بالفلقة في السجون، وبالشمس على الحواجز، وبالتغييب على الكنبة المقابلة للتلفاز. هذا ما يفعله الظالم في كل مكان.. في مصر وفلسطين وسوريا والسودان والبحرين وكل مكان. وحدهم من يسيرون على الضد، على درب الشهادة، ينفلتون من هذا المصير، ويظلون، حين يعلنون التخلي عن أجسادهم، خارج سطوة القمع.
٢.
يطيل المحتل من أمد اعتقال الجثامين، في ثلاجات "ابو كبير" و "مقابر الارقام"، رغبة منه في ممارسة سطوته عليهم ما بعد الموت. فقط لأنه يستطيع. لكنهم في عليائهم يسخرون
إنهم يقولون للظالم، ببساطة: كل ما تستطيع فعله يتمثل في قمع جسدي، ولن تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك. هذا ما قاله ابو السعيد للضابط الذي اراه جثمانا مثقوبا بأكثر من عشرين رصاصة (كلها في الوجه). "عمري ما شفته حلو زي اليوم"
تريدون دليلا آخر؟
صديقان استشهدا معا، ثم دفنا في مقبرة الارقام.
التراب الرملي في مقابر الارقام ينزلق. وتنجرف التربة تحت القبور.. وتمشي جثث الشهداء ورفاتهم حيثما شاء التراب.
في واحدة من عمليات التبادل جرى فتح قبر الشهيد الاول، فلم يعثروا على رفاته.
فتحوا قبر رفيقه ليكتشفوا أن الرفات مختلط بالرفات، والعظم بالعظم، والقصة بالقصة. والجسدين بفلسطين.
٣.
هذه قصيدة انتشر استخدامها ببن الفدائيين:
"إن عشنا، عشنا معا
لنعشق عشقا نسميه الوطن
وإن متنا
متنا معا
وتقاسمنا الكفن"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق