كنت أعيش في منطقة في صحراء النقب. على حافة الجرن الهائل المؤدي إلى أم الرشراش. كنت قد رغبت وقتها بالاعتزال عن كل شيء. بلدة صغيرة ومهجورة الى الحد الذي قيل عنها: أنك إن أردت الانتحار فيها فما عليك إلا الاستلقاء على الشارع الرئيسي بانتظار سيارة مسرعة تسويك بالأرض، ثم تموت جوعا بعد شهر.
وقتها كنت مهزوما تماما، وأردت أن أترك القدس. القدس كانت مدينة مرعبة في تلك الأيام. كان يكفي أن تتجول في المدينة لترى الزومبيز يملأونها. أطفال بحجم زبّك كانوا يعيثون فيها فسادا. أتذكر مثلا أن ثلاثة أولاد كانوا يضايقون مدرسة كاملة في البلدة القديمة. وحين ذهبنا، مجموعة من الشباب الوطني المخلص الغيور وهكذا يعني (كنا في الحقيقة مجرد ثلاثة من الشباب المخلص الوطني الغيور. الباقون كانوا إما في السجون أو في وظائفهم) ، لكي نحل القصة . وحين تحدثنا مع المدير، قال لنا بأنه لا يرغب بالمشاكل. وبأن الأولاد غير المهذبين لا يفعلون شيئا سوى قذف الحجارة على الساحة أو التلويح للبنات في الصفوف (وقد علمنا أنهم لم بكونوا يستخدمون أيديهم في التلويح). طبعا لم يقنعنا المدير بالعدول عن قرارنا بتأديبهم. لثلاثة أسباب: السبب الأول هو ان هذه ليست لا عادات ولا تقاليد ولا أخلاق شعبنا البطل.. السبب الثاني هو أننا مجموعة من الشباب المخلص والغيور.. والسبب الثالث.. حسنا.. اسمها مي.. كان شعرها خروبيا. وهي ابنة مسؤولنا الحزبي. ولديها غمازتين جميلتين.
وقتها كنت مهزوما تماما، وأردت أن أترك القدس. القدس كانت مدينة مرعبة في تلك الأيام. كان يكفي أن تتجول في المدينة لترى الزومبيز يملأونها. أطفال بحجم زبّك كانوا يعيثون فيها فسادا. أتذكر مثلا أن ثلاثة أولاد كانوا يضايقون مدرسة كاملة في البلدة القديمة. وحين ذهبنا، مجموعة من الشباب الوطني المخلص الغيور وهكذا يعني (كنا في الحقيقة مجرد ثلاثة من الشباب المخلص الوطني الغيور. الباقون كانوا إما في السجون أو في وظائفهم) ، لكي نحل القصة . وحين تحدثنا مع المدير، قال لنا بأنه لا يرغب بالمشاكل. وبأن الأولاد غير المهذبين لا يفعلون شيئا سوى قذف الحجارة على الساحة أو التلويح للبنات في الصفوف (وقد علمنا أنهم لم بكونوا يستخدمون أيديهم في التلويح). طبعا لم يقنعنا المدير بالعدول عن قرارنا بتأديبهم. لثلاثة أسباب: السبب الأول هو ان هذه ليست لا عادات ولا تقاليد ولا أخلاق شعبنا البطل.. السبب الثاني هو أننا مجموعة من الشباب المخلص والغيور.. والسبب الثالث.. حسنا.. اسمها مي.. كان شعرها خروبيا. وهي ابنة مسؤولنا الحزبي. ولديها غمازتين جميلتين.
ذهبنا لكي نتحدث مع الأولاد الثلاثة، الذين ما أن رأونا حتى قفزوا عن سور ارتفاعه بضعة أمتار، حاملين قضبانا حديدية، وسكينا، وهكذا يعني، فاضطررنا للتفاوض معهم بما أن الحياة مفاوضات، خصوصا بعد أن علمنا أنهم من عائلات يشار إليها بالبنان. وقنعنا من الانتصار بانتصار دبلوماسي. واعتراف دولي وهكذا. وعدنا لكي نحتفل في مطعم الجيروساليم بثلاثة زجاجات من البيرة بنجاتنا من أقدار ملحمية. وأظن أنني وقتها قد قررت بأن القدس لم تعد مدينتي.
كل شيء لم تعد لي علاقة به: الأصدقاء الذين صاروا إما موظفين في المؤسسات غير الحكومية ويقرأون وثائق بي دي إف، والسجناء السابقون الذين صاروا أعضاء في أجهزة أمنية، وكل إطار اجتماعي يطلب منك أن تقول له، نفاقا، في كل صباح، عبارة صباح الخير مع إن الساعة صارت طناش، والدنيا مش خير أبدا. لذلك قمت بحزم أمتعتي (التي كانت حقيبة فيها فرشاة أسنان وعدة حلاقة وبضعة قطع ملابس وذهبت إلى الصحراء)
البلدة مليئة بالمختلين عقليا الذين "يحبون الهدوء والطبيعة". على بعد ثلاثة بنايات كانت هنالك سيدة عجوز تشعل في كل ليلة أضواء خافتة وتقرأ في سرير معلّق بعد أن تخلع كل ملابسها أمام النافذة. المخدرات؟ شريكي في السكن أراد شراء الماريوانا، فاستدان مني خمسائة شيكل وعاد محمّلا بكيس ورقي ضخم مكتوب عليه بالعربية: إسمنت نصر. كيلو كامل من الماريوانا المجففة بخمسائة شيكل آت من سيناء. كنت إن ذهبت للتمشي في الجرن نفسه، ستجد على التوالي: كراتين ضخمة من سجائر مصرية متناثرة على الأرض في إثر مطاردة على الحدود، أظن أن اسمها كان سجائر كليوباترا. وبدويا يحذرك من أفعى برأسين، ومجموعة من الهيبّيين الذين لم يستحموا منذ شهر.
ذهبت إلى العمل هنالك. لكن كل ما قمت به وقتها كان الكتابة على الانترنت (نعم.. كنت أقبض من صحف الخليج وقتها. كان ذلك في 2004 ولم يكن عزمي بشارة قد انثبر بعد، لم يكن أصلا قد سافر إلى الخليج. لم يكن هنالك ربيع عربي. وأكبر أخطار الخليج على الوطن العربي كان الخطر التقليدي المتمثل في السعودية والوهابيين. ). لماذا أشعر بحاجة إلى الدفاع عن نفسي؟ لا مشكلة. سأتوقف
المهم. ليس من أجل هذا جمعتكم يا قوم.
القصة تبدأ يوم الأربعاء. كنت قد قررت أنني أستطيع العيش لوحدي. بلا شركاء بلا خرة.. عشية الأربعاء كنت على حافة الجرن أقرمش الفستق، وفجأة اخترق وجع حاد، يشبه الدبوس، قعر ضرسي المهترئ. كان الأمر أشبه بصاعقة خلعت ما تبقى من عقل لدي. "على السريع" دخّنت سيجارة عليها.. دخنت علبة سجائر عليها. وعدت إلى شقتي. هنالك متسلحا بمعرفتي التامة بالطب الشعبي وضعت على ضرسي العطر (لا أعرف لماذا بصراحة). ثم صرت أسف الملح سفّا. وعندما لم يعد الطب الشعبي قادرا على إسعافي، ذهبت إلى الصيدلية واشتريت مخدرا موضعيا. وهوبّ. انتهى الوجع كأنه لم يكن.
تلك الليلة، واليوم الذي تلاها، كنت أتفنن في وضع تركيز القرنفل على ضرسي. أعجبني الخدر الذي شل نصف وجهي. صرت أنقّط منها على السيجارة ثم أدخنها. صرت أضع القطرات على قطعة قطن ثم أستمتع بشعور الخدر، فأضغط بضرسي العلوي على الضرس السفلي المهترئ. ثم، حين يعود الوجع، صرت أنقط من القارورة مباشرة على الضرس.
حصل هذا على امتداد الخميس. حتى الليل. في الليل انفجر الوجع مرة أخرى. كان وجعا آتيا من قحف الرأس. لم أنم ليلتها، وعقدت العزم أن تحيا الجزائر، وأن أذهب إلى العيادة لكي أعالج مشكلتي، فكما يقول المثل: درهم وقاية خير من قنطار علاج. لكنني حين وصلت إلى العيادة في الصباح الباكر، رأيت أن الطبيب قد علّق ورقة مكتوب عليها: أعود في العاشرة. فقلت، ولم لا. سأذهب للنوم، ثم أعود إليه في العاشرة.
عدت إلى شقتي منهكا من سهر الليلة، ونمت قليلا، من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء، ثم صحوت!
صحوت لكي أدرك بأن الليلة جمعة. وبأن العيادات والمؤسسات وكل شيء مغلق حتى صباح الأحد. وحدها جراحي مفتوحة في تلك الساعات. ذهبت فورا إلى المطبخ لكي أحضر نفسي لمعركة مجاهدة النفس. الوجع لم يعد يحتمل. كان قلبي يخفق في فكي، وكل خفقة تحمل معها موجة من الوجع الذي يضرب قحف الجمجمة. حضّرت ملحا.. وعطرا.. ووضعت القليل من الماء المقطر في قارورة المخدر التي شارفت على الانتهاء (قمت بتقطير الماء مستعينا بما تعلمته في الصف الثالث الابتدائي في حصة العلوم) . ثم قررت أن أضع بعض العطر فيها.. العطر كما يقولون يعقم الجراح، بوابات الدم القادم. وهكذا يعني.
العاشرة ليلا.. صار فمي كلّه جافا بفعل الملح. السجائر شارفت على الانتهاء لأنني كنت أدخن كمجنون. وصرت أسير في أرجاء الشقة كمن لسعته نحلة في باب مؤخرته. أتراكض. أبطئ سيري. أقف، أهز رأسي. كنت على حافة الجنون حقا. الوجع كان يلوب (ليلتها أدركت معنى كلمة "يلوب") في قعر الضرس ثم ينغزّ كقطعة زجاج في الفك، ومنها ينتشر نحو كل شيء. هتلر كان يستعين بأطباء الأسنان في تعذيب المعتقلين. يقال بأن حوض المتوسط لم يكن يعرف هذه الجراثيم التي اسمها سوسة الأسنان حتى عاد الفينيقيون بها من إحدى أسفارهم، ليأتي نسل هذه الجرثومة ويضرب قاع ضرسي بعد بضعة آلاف من السنوات. كس إم التجارة والحرف الأول وإليسا.. وهكذا يعني.
الثانية عشرة. أنا في زاوية الغرفة.. أحدق في الأرض، والوجع احتلّ كل الجمجمة. الجمجمة التي فيها دماغ. مرحى للعقل البشري. تذكرت أن اليأس خيانة، وصرت أفكر فيما يمكن فعله. تذكرت نصّا كتبه جبران خليل جبران عن الضرس الفاسدة التي ينبغي خلعها. فأضاءت الإشراقة محيّاي الجميل. سأخلع الضرس، ياللفرح!.
هكذا إذا، تذكرت أن لدي إسوارة من السجن، مصنوعة بخيط DMC. فقمت بفكها، ومن ثم ربطها حول وسط الضرس الخائن الرعديد، ومن ثم ربطها بأكرة الباب. كان الأمر يستحق الاحتفاء حقا. لحظات من الصمت قبل تلاوة حكم الإعدام. حقا، بكل تجرّد، قلت لطاحونتي: رح أنيكك يا شرموطة. بصوت عال. قبل أن ألطم الباب بقدمي، فينسحب الخيط، على امتداد حافة فمي كسكّين، ويمزق طرف الفم، ياللجمال! الشرموطة في مكانها.
حسنا، الإصرار هو سر النجاح. قلت لنفسي إن التجربة الأولى فاشلة، وضعت بعض العطر على الجرح. دمي ينزف على القميص وعلى البلاط، تزحلقت على الدم ، فمرّ الخيط بالجرح مجددا. وعندها قررت أن المعركة معركة وجود: والله لأنيكك يا شرموطة (لا مجاز في الأمر كنت في الحقيقة أرغب بنيك طاحونتي فعلا) وثبّتّ قدمي في الأرض، ثم ضربت الباب بقدمي فانقطع الخيط.
يقول أحد الحكماء (واسمه يوسف ولقبه الفيل، من قرية إذنا قرب الخليل) "اللي بيجرّب المجرّب ببكى عكله مخرّب" (قالها يوسف الفيل لي حينما دعوته للانضمام لأكبر وأعظم وأسمى وأجل حزب في الوجود: الحزب الشيوعي الثوري) . رنّت تلك الكلمات في ذهني. فقلت لنفسي، لا. لن أجرب المجرب، فعقلي ليس مخرب. عقلي سمالله عليه. وتذكرت المعادلة التالية:
ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة
ما لا يسترد بالقوة: يسترد بمزيد من القوة.
وعليه، فقد تذكرت أن عندي كمّاشة حديدية. لا يفل الحديد سوى الحديد، هكذا تعلمنا في مدرسة شعارات فتح الجدارية. وهكذا، فقد قررت أن أنيك الشرموطة، بالكمّاشة.
الكماشة صدئة بعض الشيء. لكن الهدف سامي: كان النصف اليمني من وجهي مخدرا تماما ومنتفخا، استعنت بمرآة صغيرة لأرى الضرس- الشرموطة، مختبئا تحت الورم. فقلت للضرس مرة أخرى : رح أنيكك يا شرموطة! وهكذا، فقد أقحمت الكماشة في فمي وحاولت الامساك بالشرموطة. كانت الشرموطة زلقة بعض الشيء. المرة الأولى أمسكت جانب لساني بالكماشة. انزلقت على طرف اللسان فبلعت دمي في المرة الثانية أمسكت باللثة بأكملها، ضغطت عليها متوقعا أن تستسلم الشرموطة. لم تستسلم الشرموطة. أنا استسلمت، كان صراخي، صوت التحطيم، البكاء. كنت أحيانا أشرق حين أتنفس الدم. الشتائم، الخبط. قد دفعا أحد الجيران إلى الدق على الباب. يقال بأن إغاثة الملفوف هي من عادات البدو. أنا لا أعرف إن كانت عائلة القريناوي بدوية. كل ما فعله جاري هو أنه خيرني بين الاتصال بالشرطة لكي يعتقلوني على كل هذا الضجيج، أو الاتصال بالإسعاف. فاخترت الإسعاف. وهكذا، جاءت سيارة إسعاف من مدينة بئر السبع. الطريق تستغرق ساعة ذهابا وساعة إيابا. استغرقتها لنقل، ثلاثة ساعات إلى ان وصلت إلى منزلي؟ ثم ساعة إلى أن وصلت إلى مستشفى بئر السبع. هنالك كان منظري رائعا، ناجيا من مجزرة، الدم وطرف فمي الممزق وصراخي. فجاءت ممرضة وخلعتني حقنة وهوب! انتهى كل شيء.
****
صبيحة الأحد، كنت عند طبيب الأسنان. وقد جرب إقناعي بإصلاح الشرموطة. لكنني كنت مقتنعا بأن عليها أن تكون عبرة لمن يعتبر. وأن علينا خلعها لا إصلاحها. استجاب الطبيب الرؤوم، وقام بخلعها.
- دكتور، بدي آخد الطاحونة معاي
- لليش ؟
(لماذا؟ ههاه.. لماذا؟ سأقوم باستخدام مطرقة لطحن الضرس، ثم أقوم بإحراقها وذرها في في الصحراء، حتى تكون عبرة لمن يعتبر. ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)
- بدي اياها يا دكتور
ثم ارتسمت علائم الرعب على وجهه حين سمعني أقول :
- لأني بدي أنيك الشرموطة
كل شيء لم تعد لي علاقة به: الأصدقاء الذين صاروا إما موظفين في المؤسسات غير الحكومية ويقرأون وثائق بي دي إف، والسجناء السابقون الذين صاروا أعضاء في أجهزة أمنية، وكل إطار اجتماعي يطلب منك أن تقول له، نفاقا، في كل صباح، عبارة صباح الخير مع إن الساعة صارت طناش، والدنيا مش خير أبدا. لذلك قمت بحزم أمتعتي (التي كانت حقيبة فيها فرشاة أسنان وعدة حلاقة وبضعة قطع ملابس وذهبت إلى الصحراء)
البلدة مليئة بالمختلين عقليا الذين "يحبون الهدوء والطبيعة". على بعد ثلاثة بنايات كانت هنالك سيدة عجوز تشعل في كل ليلة أضواء خافتة وتقرأ في سرير معلّق بعد أن تخلع كل ملابسها أمام النافذة. المخدرات؟ شريكي في السكن أراد شراء الماريوانا، فاستدان مني خمسائة شيكل وعاد محمّلا بكيس ورقي ضخم مكتوب عليه بالعربية: إسمنت نصر. كيلو كامل من الماريوانا المجففة بخمسائة شيكل آت من سيناء. كنت إن ذهبت للتمشي في الجرن نفسه، ستجد على التوالي: كراتين ضخمة من سجائر مصرية متناثرة على الأرض في إثر مطاردة على الحدود، أظن أن اسمها كان سجائر كليوباترا. وبدويا يحذرك من أفعى برأسين، ومجموعة من الهيبّيين الذين لم يستحموا منذ شهر.
ذهبت إلى العمل هنالك. لكن كل ما قمت به وقتها كان الكتابة على الانترنت (نعم.. كنت أقبض من صحف الخليج وقتها. كان ذلك في 2004 ولم يكن عزمي بشارة قد انثبر بعد، لم يكن أصلا قد سافر إلى الخليج. لم يكن هنالك ربيع عربي. وأكبر أخطار الخليج على الوطن العربي كان الخطر التقليدي المتمثل في السعودية والوهابيين. ). لماذا أشعر بحاجة إلى الدفاع عن نفسي؟ لا مشكلة. سأتوقف
المهم. ليس من أجل هذا جمعتكم يا قوم.
القصة تبدأ يوم الأربعاء. كنت قد قررت أنني أستطيع العيش لوحدي. بلا شركاء بلا خرة.. عشية الأربعاء كنت على حافة الجرن أقرمش الفستق، وفجأة اخترق وجع حاد، يشبه الدبوس، قعر ضرسي المهترئ. كان الأمر أشبه بصاعقة خلعت ما تبقى من عقل لدي. "على السريع" دخّنت سيجارة عليها.. دخنت علبة سجائر عليها. وعدت إلى شقتي. هنالك متسلحا بمعرفتي التامة بالطب الشعبي وضعت على ضرسي العطر (لا أعرف لماذا بصراحة). ثم صرت أسف الملح سفّا. وعندما لم يعد الطب الشعبي قادرا على إسعافي، ذهبت إلى الصيدلية واشتريت مخدرا موضعيا. وهوبّ. انتهى الوجع كأنه لم يكن.
تلك الليلة، واليوم الذي تلاها، كنت أتفنن في وضع تركيز القرنفل على ضرسي. أعجبني الخدر الذي شل نصف وجهي. صرت أنقّط منها على السيجارة ثم أدخنها. صرت أضع القطرات على قطعة قطن ثم أستمتع بشعور الخدر، فأضغط بضرسي العلوي على الضرس السفلي المهترئ. ثم، حين يعود الوجع، صرت أنقط من القارورة مباشرة على الضرس.
حصل هذا على امتداد الخميس. حتى الليل. في الليل انفجر الوجع مرة أخرى. كان وجعا آتيا من قحف الرأس. لم أنم ليلتها، وعقدت العزم أن تحيا الجزائر، وأن أذهب إلى العيادة لكي أعالج مشكلتي، فكما يقول المثل: درهم وقاية خير من قنطار علاج. لكنني حين وصلت إلى العيادة في الصباح الباكر، رأيت أن الطبيب قد علّق ورقة مكتوب عليها: أعود في العاشرة. فقلت، ولم لا. سأذهب للنوم، ثم أعود إليه في العاشرة.
عدت إلى شقتي منهكا من سهر الليلة، ونمت قليلا، من التاسعة صباحا حتى التاسعة مساء، ثم صحوت!
صحوت لكي أدرك بأن الليلة جمعة. وبأن العيادات والمؤسسات وكل شيء مغلق حتى صباح الأحد. وحدها جراحي مفتوحة في تلك الساعات. ذهبت فورا إلى المطبخ لكي أحضر نفسي لمعركة مجاهدة النفس. الوجع لم يعد يحتمل. كان قلبي يخفق في فكي، وكل خفقة تحمل معها موجة من الوجع الذي يضرب قحف الجمجمة. حضّرت ملحا.. وعطرا.. ووضعت القليل من الماء المقطر في قارورة المخدر التي شارفت على الانتهاء (قمت بتقطير الماء مستعينا بما تعلمته في الصف الثالث الابتدائي في حصة العلوم) . ثم قررت أن أضع بعض العطر فيها.. العطر كما يقولون يعقم الجراح، بوابات الدم القادم. وهكذا يعني.
العاشرة ليلا.. صار فمي كلّه جافا بفعل الملح. السجائر شارفت على الانتهاء لأنني كنت أدخن كمجنون. وصرت أسير في أرجاء الشقة كمن لسعته نحلة في باب مؤخرته. أتراكض. أبطئ سيري. أقف، أهز رأسي. كنت على حافة الجنون حقا. الوجع كان يلوب (ليلتها أدركت معنى كلمة "يلوب") في قعر الضرس ثم ينغزّ كقطعة زجاج في الفك، ومنها ينتشر نحو كل شيء. هتلر كان يستعين بأطباء الأسنان في تعذيب المعتقلين. يقال بأن حوض المتوسط لم يكن يعرف هذه الجراثيم التي اسمها سوسة الأسنان حتى عاد الفينيقيون بها من إحدى أسفارهم، ليأتي نسل هذه الجرثومة ويضرب قاع ضرسي بعد بضعة آلاف من السنوات. كس إم التجارة والحرف الأول وإليسا.. وهكذا يعني.
الثانية عشرة. أنا في زاوية الغرفة.. أحدق في الأرض، والوجع احتلّ كل الجمجمة. الجمجمة التي فيها دماغ. مرحى للعقل البشري. تذكرت أن اليأس خيانة، وصرت أفكر فيما يمكن فعله. تذكرت نصّا كتبه جبران خليل جبران عن الضرس الفاسدة التي ينبغي خلعها. فأضاءت الإشراقة محيّاي الجميل. سأخلع الضرس، ياللفرح!.
هكذا إذا، تذكرت أن لدي إسوارة من السجن، مصنوعة بخيط DMC. فقمت بفكها، ومن ثم ربطها حول وسط الضرس الخائن الرعديد، ومن ثم ربطها بأكرة الباب. كان الأمر يستحق الاحتفاء حقا. لحظات من الصمت قبل تلاوة حكم الإعدام. حقا، بكل تجرّد، قلت لطاحونتي: رح أنيكك يا شرموطة. بصوت عال. قبل أن ألطم الباب بقدمي، فينسحب الخيط، على امتداد حافة فمي كسكّين، ويمزق طرف الفم، ياللجمال! الشرموطة في مكانها.
حسنا، الإصرار هو سر النجاح. قلت لنفسي إن التجربة الأولى فاشلة، وضعت بعض العطر على الجرح. دمي ينزف على القميص وعلى البلاط، تزحلقت على الدم ، فمرّ الخيط بالجرح مجددا. وعندها قررت أن المعركة معركة وجود: والله لأنيكك يا شرموطة (لا مجاز في الأمر كنت في الحقيقة أرغب بنيك طاحونتي فعلا) وثبّتّ قدمي في الأرض، ثم ضربت الباب بقدمي فانقطع الخيط.
يقول أحد الحكماء (واسمه يوسف ولقبه الفيل، من قرية إذنا قرب الخليل) "اللي بيجرّب المجرّب ببكى عكله مخرّب" (قالها يوسف الفيل لي حينما دعوته للانضمام لأكبر وأعظم وأسمى وأجل حزب في الوجود: الحزب الشيوعي الثوري) . رنّت تلك الكلمات في ذهني. فقلت لنفسي، لا. لن أجرب المجرب، فعقلي ليس مخرب. عقلي سمالله عليه. وتذكرت المعادلة التالية:
ما أخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة
ما لا يسترد بالقوة: يسترد بمزيد من القوة.
وعليه، فقد تذكرت أن عندي كمّاشة حديدية. لا يفل الحديد سوى الحديد، هكذا تعلمنا في مدرسة شعارات فتح الجدارية. وهكذا، فقد قررت أن أنيك الشرموطة، بالكمّاشة.
الكماشة صدئة بعض الشيء. لكن الهدف سامي: كان النصف اليمني من وجهي مخدرا تماما ومنتفخا، استعنت بمرآة صغيرة لأرى الضرس- الشرموطة، مختبئا تحت الورم. فقلت للضرس مرة أخرى : رح أنيكك يا شرموطة! وهكذا، فقد أقحمت الكماشة في فمي وحاولت الامساك بالشرموطة. كانت الشرموطة زلقة بعض الشيء. المرة الأولى أمسكت جانب لساني بالكماشة. انزلقت على طرف اللسان فبلعت دمي في المرة الثانية أمسكت باللثة بأكملها، ضغطت عليها متوقعا أن تستسلم الشرموطة. لم تستسلم الشرموطة. أنا استسلمت، كان صراخي، صوت التحطيم، البكاء. كنت أحيانا أشرق حين أتنفس الدم. الشتائم، الخبط. قد دفعا أحد الجيران إلى الدق على الباب. يقال بأن إغاثة الملفوف هي من عادات البدو. أنا لا أعرف إن كانت عائلة القريناوي بدوية. كل ما فعله جاري هو أنه خيرني بين الاتصال بالشرطة لكي يعتقلوني على كل هذا الضجيج، أو الاتصال بالإسعاف. فاخترت الإسعاف. وهكذا، جاءت سيارة إسعاف من مدينة بئر السبع. الطريق تستغرق ساعة ذهابا وساعة إيابا. استغرقتها لنقل، ثلاثة ساعات إلى ان وصلت إلى منزلي؟ ثم ساعة إلى أن وصلت إلى مستشفى بئر السبع. هنالك كان منظري رائعا، ناجيا من مجزرة، الدم وطرف فمي الممزق وصراخي. فجاءت ممرضة وخلعتني حقنة وهوب! انتهى كل شيء.
****
صبيحة الأحد، كنت عند طبيب الأسنان. وقد جرب إقناعي بإصلاح الشرموطة. لكنني كنت مقتنعا بأن عليها أن تكون عبرة لمن يعتبر. وأن علينا خلعها لا إصلاحها. استجاب الطبيب الرؤوم، وقام بخلعها.
- دكتور، بدي آخد الطاحونة معاي
- لليش ؟
(لماذا؟ ههاه.. لماذا؟ سأقوم باستخدام مطرقة لطحن الضرس، ثم أقوم بإحراقها وذرها في في الصحراء، حتى تكون عبرة لمن يعتبر. ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)
- بدي اياها يا دكتور
ثم ارتسمت علائم الرعب على وجهه حين سمعني أقول :
- لأني بدي أنيك الشرموطة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق