19.3.18

في شارع الشلوم 74، هنالك وقفت وتغبّرت

.


1.
هنالك وقفة لم تخترع لها اللغة العربية إسما بعد. إنها وقفة الناشط الشبابي الشاب في الأوساط الشعبية.
حذاء قماشي، أصابع القدمين متوضّعتان واحِدُهما قرب الآخر، والأكعاب بعيدة عن بعضها. يشبه الرقم ثمانية بالعربية.
هذه الوقفة تتطلب رفع المؤخرة سنتمترين أو أكثر إلى أعلى. هذه الوقفة تعني الاستعداد التام، إضافة إلى أنها تحمل معاني اللطف الواجب تجاه المضيف، ليس تواضعا تامّا، ليس تكبّرا تامّا. لكنها تعني : أتيت لكي أفهم معاناتك وأكتب عنها على مدونتي أيها البدوي المغطّى بكتل الطين الحمراء، ورائحة دخان التايم، والكوفية وبعض الغبار.

2.
 يتحدث العجوز معنا بالعبرية، في المرة الأولى.. فيكتشف أننا عرب.
في المرة الثانية، يتحدث معنا مستخدما خطاب : نحن جميعا إسرائيليون، ونحب السلام. فيقابل بالامتعاض. إمتعاض ملون بأحمر شفاه بتدرجات عديدة، وشفاه مزورع حولها زغب أسود وأشقر. زغب شبابي كفاحي، من النوع الذي يليق بالكوفية المغسولة بالتايد، أو طاقية الصوف الناعم. (ألوان الخاكي تغلب على الرمادي للعام 2016)
بعد موجة الامتعاض الثانية: خطاب قومي متلعثم، يصعد تجاه ذروة ما، ومن ثم يصطدم بمصطلحات دارجة على شاكلة "كلنا أولاد تسعة" "لماذا يحق لليهودي ما لا يحق للعربي على هذه الأرض"، "أنا أرغب بالعيش بسلام". هذا، في السكس، إسمه تمحين.
لكن الامتعاض الثالث توقف عن الإتيان بنتائج، فانغمسنا ورضينا بنصف زب.



3.
 في الطريق إلى رمية، تتوارد اتصالات من ناشطين. يسألون عن موقع القرية التي تحاصرها المستوطنة.  الشائعة، صباحا، قالت بأن رمية موجودة في شارع الشلوم 180. وضعنا العنوان على الجي بي إس وتوكلنا يرعانا الله، وكسل شرطة السير صباح السبت، وصوت لينا مخّول :بعد "مائتين" متر إنعطف إلى اليسار.
العنوان المذكور يوصلنا إلى مبنى ضخم. طيب، من الصعب أن يكون هذا المبنى قرية مهددة بالانقراض. أين هو هواء بلادي العليل؟ أين العلى دلعونا وعلى دلعونا؟ أين أبو ابراهيم ودع عز الدين؟  ثم نكتشف أن قرية رمية موجودة في نهاية الشارع. في شارع هشلوم 74.


4.
تكوين من الزينكو والخشب والإسمنت. غارق في خضار الجليل والطين الأحمر. لافتتان، إحداهما بالعبرية، تقول "لا لاقتلاع رمية". أما العربية فتقول "باقون في رمية". لو كانت رمية زعترا برّيا لحماها القانون، لكنها تتشكل بالأساس من العرب. هنالك، على أي حال،  فرق ما في الخطاب بين اليافطتين، ولعله مقصود (قبل عامين قمت بتصميم اللافتتين بطلب من رفيق عزيز، أظن أن اللجنة الشعبية اختارت النص وقصدت اختلاف الخطاب، قمت بـ"تسحيل" رسم لحنظلة وهو يقاوم بلدوزر. اليوم، بعد عامين، أكتشف أن التكوين البصري رديء فعلا: كان عليّ أن أضخم البلدوزر بحيث تصبح شفرته أكبر بكثير من جسد حنظلة الضئيل. ليس مهما: المجاز يتخلق على الأرض، ففي خلفية بيوت الزينكو تقف العمارات الضخمة. لو كان الموضوع يحتمل اليأس أو المزاح، لوضعت صورة دون كيخوته يصارع إحدى العمارات وفي يده يافطة كبيرة.

كان عليك أن تضع يافطاتك في المزبلة يا دون كيخوته .  ما من  يافطة في العالم بأسره قادرة على وقف تقدم الجرّافة.

في رمية، في وفي العراقيب، في أم الحيران وفي الجفتلك، هنالك من نخدعهم بيافطاتنا، ومن تسوّي جرافات الاحتلال حياتهم بالأرض. وجميعنا نعلم ونستهبل: ما من شيء يوقف الحديد سوى الحديد.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق