العملاق المعجزة.
كان يفترض بالعملاق أن يسقط فورا
من المفترض أن تكون المسافة ما بين اندلاع الثقب الخؤون في جلده، عبر قميصه، نحو القلب، وبين اهتزاز الكوكب ثلاثة ثوان أو أقل بقليل.
كانت هذه أولى المعجزات التي رأيتها بالعين
كان محمد فطافطة يرتدي بذلة سوداء، هي زي القوات الضاربة. بعد أن قام مع ثلاثة من رفاقه برشق سيارة الجيب العسكرية بالحجارة ترجل الجندي من الفتحة الخلفية وأطلق ثلاثة رصاصات، إحداها أصابته في قلبه
لم يسقط محمد فورا.. ركض مع أحد رفاقه.. انحدرا عبر درج طويل نحو "بير أيوب" ركضا لبضعة دقائق. رفيقه احتضن كفّه الضخمة وهما يركضان. وحين وصلا نهاية الدرج، إلى المنطقة الآمنة، انهارت المعجزة.
العملاق يسقط. العملاق ذي الشاربين، والجبين العريض، الذي لم يتجاوز عمره سبعة عشر عاما. تحوّل إلى شهيد "سلوان" الأول في الانتفاضة.
في تلك الفترة، قرأت مقطعا من قصيدة لعبد الناصر صالح، تقول :
"فاسند يدي
يا صاحبي
الآن قد هلّ القمر"
وبدى المقطع شديد الوضوح، شديد الانطباق، على المشهد الذي يغطّيه الغاز بالدموع، على كتف أحد الجبال الموصلة إلى القدس.
كانت هذه أولى المعجزات التي رأيتها بالعين
كان محمد فطافطة يرتدي بذلة سوداء، هي زي القوات الضاربة. بعد أن قام مع ثلاثة من رفاقه برشق سيارة الجيب العسكرية بالحجارة ترجل الجندي من الفتحة الخلفية وأطلق ثلاثة رصاصات، إحداها أصابته في قلبه
لم يسقط محمد فورا.. ركض مع أحد رفاقه.. انحدرا عبر درج طويل نحو "بير أيوب" ركضا لبضعة دقائق. رفيقه احتضن كفّه الضخمة وهما يركضان. وحين وصلا نهاية الدرج، إلى المنطقة الآمنة، انهارت المعجزة.
العملاق يسقط. العملاق ذي الشاربين، والجبين العريض، الذي لم يتجاوز عمره سبعة عشر عاما. تحوّل إلى شهيد "سلوان" الأول في الانتفاضة.
في تلك الفترة، قرأت مقطعا من قصيدة لعبد الناصر صالح، تقول :
"فاسند يدي
يا صاحبي
الآن قد هلّ القمر"
وبدى المقطع شديد الوضوح، شديد الانطباق، على المشهد الذي يغطّيه الغاز بالدموع، على كتف أحد الجبال الموصلة إلى القدس.
سطح اليو إن
هكذا استشهد ناهد. كان على سطح مبنى من طابق واحد، على مدخل قلنديا. أصيب برصاصة استقرت تحت القلب. وحين صعدنا إلى السطح لنحمله، كان الجنود لا يزالون يطلقون النار. وكان الرصاص يبدو وكأنه إطلاق نار في تلفاز. لم يكن يخيف حقا. جدّتي كلّما لعلع صوت الرصاص في السماء كانت تدعو "الله يجعل رصاصهن ميّة وإيديهن مرخيّة" كان صوت الرصاص في تلك الحادثة لا يرعب، إلا بقدر ما تتسبب قطرات مطر في الرعب. أتذكر أن قدم ناهد كانت ترتجف، حذاؤه كان أبيض. بنطال جينز معفّر. حملناه، وحين أنزلناه استشهد.قال الطبيب، الذي لا يرحم، أن طريقتنا في حمله كان خاطئة. لقد أنزلناه، تحت إطلاق النار، ورأسه إلى الأسفل. وهكذا، انزلقت الرصاصة نحو القلب. مات ناهد ولا زال الشعور بأننا قتلناه يراود جميع من شاركوا في حمله آنذاك.
الطيز الكبرى
في أحد مخيمات رام الله، كانت السيدة ذات المؤخرة الأسطورية، المؤخرة التي أصابها نصف الرصاص المطاطي الذي أطلق نحو المخيم. كانت هذه السيدة تخرج وتتبنى المعتقلين. كلما أمسك الجنود بشاب، تهجم.
هذا ابني، ما سوّاش إشي. اتركوه. هكذا كانت تهجم نحو الدورية، تسحب بيدها القدريّة الفتى من بين أيدي الجنود، وتطلقه نحو أزقة المخيم، وتدير مؤخرتها لمطّاط الجيش.
ذات اشتباك على هذه الشاكلة: قفزت نحو الدورية لتقول للضابط: هذا إبني، ما سوّاش إشي، إتركوه!
الضابط قال لها: انت كاذبة، كلما أمسكنا بشاب نلتقي بعشرة نساء يدّعين أنهنّ أمه. لم تتمكن السيدة من كتم النكتة: مش أحسن ما يكون زيكو: الواحد فيكو عنده مية أب؟
هذا ابني، ما سوّاش إشي. اتركوه. هكذا كانت تهجم نحو الدورية، تسحب بيدها القدريّة الفتى من بين أيدي الجنود، وتطلقه نحو أزقة المخيم، وتدير مؤخرتها لمطّاط الجيش.
ذات اشتباك على هذه الشاكلة: قفزت نحو الدورية لتقول للضابط: هذا إبني، ما سوّاش إشي، إتركوه!
الضابط قال لها: انت كاذبة، كلما أمسكنا بشاب نلتقي بعشرة نساء يدّعين أنهنّ أمه. لم تتمكن السيدة من كتم النكتة: مش أحسن ما يكون زيكو: الواحد فيكو عنده مية أب؟
الخواجة ممزير
القصة التالية قرأتها بعد انتهاء الانتفاضة بسنوات.
كان شباب مخيم جنين يشتمون الجنود في الاشتباكات، قائلين لهم يا "ممزير".
حين تمّ اعتقال أحد الشباب، خرجت أمه. خرجت خمسة أو ستّة أمهات له، يحاولن سحبه. واحدة منهنّ، كانت تتوسل إلى الجندي "يا خواجة ممزير، والله إبني ما ظرب حجار"، "طنيب عليك يا خواجة ممزير تفلّته"
كان شباب مخيم جنين يشتمون الجنود في الاشتباكات، قائلين لهم يا "ممزير".
حين تمّ اعتقال أحد الشباب، خرجت أمه. خرجت خمسة أو ستّة أمهات له، يحاولن سحبه. واحدة منهنّ، كانت تتوسل إلى الجندي "يا خواجة ممزير، والله إبني ما ظرب حجار"، "طنيب عليك يا خواجة ممزير تفلّته"
"ممزير" تعني : إبن زنا، بالمناسبة
كنّا نحرق الإطارات ونصرخ باتجاه الجنود "مشكفايم شل إيما شلخا" وبالعربية "المشكفايم الخاصة بأمك". كان الجنود يضحكون.
على مدار أربعة أعوام، كان حازم ورفاقه يشعلون الإطارات، ويهتفون نحو الجنود "مشكفايم شل إيما شلخا". وإسرائيل تُحجِم عن مهاجمة فرخة.
بعد أربعة أعوام التقيت بحازم، وحكى لي استقراءاته عن حالة الدياثة التي يغرق فيها جنود إسرائيل
المشكفايم
لم يكن الجنود الإسرائيليون، في الانتفاضة الأولى يغارون على أعراضهم. بحسب رأي حازم، إبن قرية فرخة. أنّى له ذلك؟كنّا نحرق الإطارات ونصرخ باتجاه الجنود "مشكفايم شل إيما شلخا" وبالعربية "المشكفايم الخاصة بأمك". كان الجنود يضحكون.
على مدار أربعة أعوام، كان حازم ورفاقه يشعلون الإطارات، ويهتفون نحو الجنود "مشكفايم شل إيما شلخا". وإسرائيل تُحجِم عن مهاجمة فرخة.
بعد أربعة أعوام التقيت بحازم، وحكى لي استقراءاته عن حالة الدياثة التي يغرق فيها جنود إسرائيل
- ولكن، ما الذي تعنيه بـ "مشكفايم" يا حازم؟
- مشكفايم بالعبري يعني أثداء
- وك، مشكفايم، بالعبرية، تعني نظّارات يا أستاذ!
هكذا، أربعة أعوام من دخان الكاوتشوك المهدور.
"الروابط"
هذا هو لقبهم، في صفوف الأطفال :ولاد الروابط. هؤلاء هم من تبقى من "روابط القرى". كان من تبقى من الروابط قد انتقل إلى العمالة المباشرة. بعضهم يعمل في مجال إخراج المعتقلين بتهم خفيفة، مقابل عائد مادي ضخم، ويعملون على تجنيد شبكات العملاء. بعضهم يعمل في مجال استصدار التصاريح، والاطمئنان على المساجين. كان هؤلاء ضروريون في مجتمع يعيش تحت وطأة الاحتلال. قبل أن تكون هنالك سلطة وطنية، كان يلزم روابط قرى. الآن لا داعي لهؤلاء فهنالك من يقوم، بجهاز وظيفي ثقيل، بذات مهماتهم، وإن بكفاءة أقل.
صبيحة العيد، اتصل مسؤول "الأسد المقنّع" من الهاتف الموجود في منزل العميل الكبير، إبن الروابط، بضابط الإدارة المدنية. "كل سنة وانت سالم، اليوم عيد الأضحى، عيديّتك اليوم ’عجل‘."
يشخر العجل على باب داره، آخر شخراته، وهو يحدق في التراب ودمه يبقبق على الأرض، ورجال الأسد المقنّع عادوا إلى قواعدهم بسلام.
صبيحة العيد، اتصل مسؤول "الأسد المقنّع" من الهاتف الموجود في منزل العميل الكبير، إبن الروابط، بضابط الإدارة المدنية. "كل سنة وانت سالم، اليوم عيد الأضحى، عيديّتك اليوم ’عجل‘."
يشخر العجل على باب داره، آخر شخراته، وهو يحدق في التراب ودمه يبقبق على الأرض، ورجال الأسد المقنّع عادوا إلى قواعدهم بسلام.
دُم دُم
لم يكن الاسم الغريب للـ "دمدم" يثير الرعب. كان يبدو في المخيلة وكأنّه يشير إلى ألعاب نارية صينية. صوته، منطلقا من الإم ستة عشر ورشّاشات الـ "جاليلي" التي يحملها جنود حرس الحدود لم يكن يفرق عن الرصاص الحيّ بالمرة. في كل مرة تنطلق رصاصة من هذا السلاح يصدر صوتان، الصوت الأول هو صوت الانفجار البدئي، الصوت الثاني هو صوت اصطدام المقذوف بالهواء. المرة الأولى التي سمعنا فيها عن هذا الرصاص كان عبر الجريدة اليومية. كان الاسم مسلّيا حقا. في تلك المرحلة، تكاثرت أنواع الذخائر، بعضها اختلقه الناس اختلاقا. رصاص مطّاطي، وهو على نوعين: "البرميل"، وهو معدن اسطواني مغطى بطبقة ثخينة من المطاط الأسود، قيل في السابق أن بعضه يحمل إبرة في مسطحه المواجه لموضع اصطدامه بالهدف. وكرات صفراء من مطاط مضغوط تؤلم أكثر (معظم من عاشوا في تلك الفترة يعلمون التفريق بين الرصاصتين، لأن المعظم قد أصيبوا بها، إما لأنهم قد شاركوا في المواجهات وإما لأن الجنود كانوا يعشقون التسلية) . رصاص بلاستيكي، وهو كرويّ مصنوع من بليات ثقيلة مغطاة بطبقة رقيقة من البلاستيك الأسود، بعض الرصاص البلاستيكي مخروطي، أزرق اللون، يخترق الجسد. ثم هنالك بالطبع الرصاص الحي. مخيلة الناس أنتجت "الرصاص الرملي"، وقد قيل بأنه كريّات من رمل مضغوط، حين تخترق الجسم "يفرش" الرمل داخل اللحم الممزق فتصعب إزالته. ثم قيل بأن الجيش يستخدم الرصاص "الزجاجي" الذي يتشظى في الأنسجة. لكن ملك الساحة على بياض كان الدمدم.
المقذوف المخروطي، في أسفله "فرزات" محفورة في المعدن، يمر المقذوف في سبطانة السلاح المحفورة بشكل لولبي باتجاه الخارج، تبدأ الرصاصة، عند إطلاقها، دورانها الجحيميّ، تصطدم لدى خروجها من السبطانة بالهواء فينطلق صوت الانفجار الثاني، وتواصل دورانها بسرعة رهيبة مخترقة الهواء بمقدمتها الرفيعة، تواصل مسيرها كالسهم ، تخترق أنسجة الجلد وهي تدور بسرعتها المرعبة، ولدى اصطدامها بالعظم، عظم القفص الصدري مثلا، تنكفئ إلى زاوية أخرى داخل الصدر، ثم تصدم بعظمة أخرى فتعود أدراجها في زاوية أخرى، هكذا، ككرة البلياردو، تواصل الرصاصة - الجمرة، تخريبها داخل الجسم إلى أن تستقر.
كان من يستشهد بالدمدم وكأنه حصل على ميدالية ذهبية. "قتلوه بالدمدم"، هذا يعني أنه أكثر بطولة ممن قتلوه بالرصاص الخبيث الذي ينزلق كسيخ محمّى في اللحم.
لاحقا، عندما جاءت الانتفاضة الثانية، صار اسم الرصاص "خارق متفجّر" رؤوس المقذوفات كانت تطلى بالأخضر، تمييزا لها عن الرصاص العادي. وعن الرصاص "الخطّاط" .. الـ "خارق حارق" الذي يلوّن بالأحمر. هذه مسمّيات وطنية، كنا نستمع إليها بانبهار من "فدائيي السلطة" الذين كانوا يتمتعون بما تبقى من وهج "فدائيي بيروت" في المخيلة.
تحت التين
قطعة الأرض الواقعة في وسط المدينة، المزروعة بتين كثيف الأغصان، مالكوها مهاجرون إلى الولايات المتحدة، ولذا فقد تشابكت أغصان التين وأظلمت أرضها. كانت قطعة الأرض المربعة، المهملة، المسيجة، تلك، ثقبا أسود لم يدخله لا الشباب ولا الجيش. وحين انفضت المظاهرة بالرصاص المطاطي وراجمات الحجارة، انطلقت رصاصتان من الدمدم، لم يعرف أحد سبب إطلاق هاتين الرصاصتين الختاميّتين بعد انفضاضنا وهروبنا نحو العمارات القريبة، دقنا على الأبواب التي تعبق خلفها روائح الطعام الساخن. فتح الباب، رائحة البهار، وصدور الأمهات، ودفء الصّوبات احتضننا جميعا، كل في منزل. أعطتنا النساء جرزات، كيفما اتفق، غسلنا أيدينا، وجلسنا إلى طاولات الطعام لنستعد لتمثيل مسرحية "هذا إبني" ورياضة الشد والجذب بين النساء والجنود على مداخل سيارات الجيب. وحده أسامة لم يدخل إلى واحدة من هذه الشقق. افتقدناه في المدرسة. افتقده أهله وظنوا أنه معتقل.بعد أسبوع فاحت الرائحة من تحت التين.
كان أسامة قد أصيب بالرصاصتين، قفز نحو الأرض المسيجة، وهنالك، تحت التين الكثيف، ظل ينزف إلى أن مات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق