كنّا أربعة أشخاص. مدير عام وشوفير وخمسة مرافقين (لا تأبهوا بالرياضيات والحسابات، أنا فتحوي). ترجّلنا من المركبة الأم نحو الأرض الغريبة.
قبل عشرة سنوات، كان مصير بعثتنا الأخيرة إلى هنا مئلما (لا تأبهوا بموضع الهمزة.. أنا فتحوي) . مئلما جدا: فقد قام السكان المحلّيون بسحل جميع عناصر البعثة . وألقوا بهم من فوق العمارات الطويلة التي بنيناها لهم.. اللعنة على آينشتاين!
- ما دخل آينشتاين هنا؟
- آينشتاين.. مخترع الجاذبية.. إنه يهودي كما تعلم!. لقد سقط أعضاء بعثتنا من الطابق الخامس عشر. ولا زلت أتذكر آخر كلماتهم.
- أوه، هذا محزن، ما الذي قالوه ؟
- "آآآآآآآآآآآآآآآآآآ" (طج). لم يحظى المساكين بإنهاء عبارتهم الأخيرة. سنحفرها، كما تعلم على تمثال الجندي المجهول الذي سنقيمه لهم، إلى جانب أسمائهم جميعا.
- هذا مؤسف حقا
- ** مئسف.. أنا فتحوي كما تعلم!
::
ها نحن نترجّل من على سلّم المركبة الأم. مشاعر مختلطة تعترينا جميعا. قال لنا المدير العام بتأثر ملحوظ (أكاد أجزم أنه مسح دمعة كانت تترقرق في زاوية عينه) : "صوروني سيلفي"، فصوّرناه سيلفي. ثم أومأ لنا بالنزول.
لامست أحذيتنا التراب. يا لهذه اللحظة!.. تخيلوا معي.. المطّاط يهبط، عُشر ملّمتر، بفعل ثقل الجسد، في التراب، رجفة تنطلق من الجلد، نحو الكعب، وتتسلق بسرعة البرق العمود الفقري وتنفجر في الجمجمة: نحن على أرض غزة!.
كم أود لو أصفّر لحنا حزينا.. لحنا يقول هادا هوّة القائد هادا هوّة، إن كنّا برّة أو جوّة. هل تسمع أيها القائد؟ ها نحن نخطو!
لا أزال أتذكر مقولة رائد الفضاء العالمي، ستيفن سبيلسبرغ: "إنها خطوة صغيرة للإنسان، تبدأ بألف ميل، فعلى قصيري النفس التنحي جانبا"
انتزعني صوت طفل صغير يشد جيب بنطالي من أفكاري الحالمة. كانت عيناه بنّيتان.. يا لجمال السكان المحليين ! قلت له شو إسمك يا حبيبي ، فقال لي "فجر". اسم غريب. أسماؤهم غريبة. لِم لا يكون اسمه جوّال سعيد سعيد، مثلا ؟ يا للبراءة. فأعطيته سيجارة وربتّ على شعره الفاحم. "يا إلهي!، علا هذه الئرض ما يستحق الحياة فعلا. تريد ولعة، أخوي؟ "
كم هي مفاجؤة هذه اللحظات. لم يصدق أحد في العالم أن هؤلائي السكان المحليون سيدعوننا لحل مشاكلهم. لم يؤمن أحد في هذا العالم بقدراتنا، لا منسق أعمال الحكومة في المناطق، ولا جيسون غريبنبلات، ولا السعودية .. الأمر يذكّر بفيلم مؤثر شاهدته على يوتيوب، كان عنوانه "سخرت منه لجنة التحكيم فأدهشهم بمواهبه".
أعطونا تمويلا وخذوا منّا ما يدهش العالم، أيها العالم! .
تشتهر غزّة بزراعة الخضراوات والفواكهة وكافة أنواع الأسماك. علينا أن نقوم، بشكل دقيق، باحتساب احتياجاتنا من هذه الأرض لكي نرسل تقريرا إلى المركبة الأم. المهمة كبيرة ولكن نحنو لها. "من يريد أن يأكل جمبري؟"، سألت الجميع، فأجابوني الجميع قاءلين: أنا.. أنا .. أنا .. أنا . ثم قال المدير: "أنا". وهكذا دواليك. كانت هذه أول ممارسة ديمقراطية تجري على أرض القطاع منذ عشرة أعوام. يا لهذه الرساليّة! يا لهذا الألق.
مهمتنا، جميعن، تتلخص في إدارة المعابر. يوم الأربعاء، بعد يومين من الآن. هذا وقت قصير لنتسلّم فيه مسؤولية كبيرة. لكن المصالحة كلّها، نجاحها، منوط بنجاحنا في مهمتنا. سندير المعبر، جميعنا.
أنا أعرف الكثير عن إدارة المعابر. تعلمت هذا على حاجز الجلمة. تجلس وتدخن وتنتظر الأفضل.
وها أنا هناك
على المعبر
وما من بطارية في الجوّال
وما من كهرباؤ
أظن أن عليّ الئنهائ ئلئان..
اللعنة.. أظن أن عليّ "الإنهائ، إلئن"... تبّاً.. أظن أن عليّ "الأنهاؤ إلأن"..
فاك..
أظن أن عليّ الإنهاء الآن.
إنتهى!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق