“To die will be an awfully big adventure.”
J.M. Barrie, Peter Pan
::
أيها العالم: ها أنا، مجددا، أنتحر.
أيها العالم؟
ألو؟
أنا ..
أيها الـ..
وَكْ أيها العالم!!؟
إِه!
::
"كتاب الوشوش". هذا هو الاسم الذي أطلقه أحد المدونين المصريين خفاف الظل على فيسبوك، ذات نقاش جرى ما بيننا في 2007. هذه التسمية هي ما دفعني إلى القفز، وأخيرا، إلى فيسبوك.
منذ قطعت السطح الفاصل ما بين العالم كما أعرفه وما بين اللجة، منذ قطعت سطحا فاصلا بتوتّر أبدي، سطح بارتفاع بعض ملّمتر، تحته عمق صاف وكامل، بلا قاع، انغمست في هذا العالم الأزرق . اللجة في اللجة، الأزرق في كل مكان. كنت أحيانا أستجمع قدرتي للصعود نحو السطح، فأجمّد حسابي لشهور تطول أو تقصر، لكن القلب ظلّ هناك فكنت أعود مثقلا بكل ذرة من ذكريات تراكمت في في الأزرق الذي بلا قاع.
عشرة سنوات قضيتها في اللجّة. تعرفت إلى أصدقاء، وتقاتلت مع أصدقاء. عثرت على أناس اعتقدت أنهم ماتوا. واكتشفت موت آخرين لم أسمع عنهم منذ زمن. وفي لقاءات صدفيّة، كنت ألتقي للمرة الأولى بأشخاص لم ألتق بهم يوما في حياتي ، فنتحدث ونتبادل النكات أو الشتائم، وكأننا نواصل حديثا انقطع بالأمس فقط على البار أو في المظاهرة، استمرارا لجدل استمر سنوات طويلة. وكانت الكنبة التي في صالون منزلي قد استضافت الكثير من هؤلاء، جالسين أو مضطجعين أو نائمين.
عبر فيسبوك، عدت لأتواصل مع صديقي رائد، الذي تمكن، منذ افترقنا قبل 17 عاما، من الزواج، وإنجاب أطفال سمّى بكرهم "مهند" على إسمي. والتقيت برفاق من غزة ولبنان كانوا قد شكّلوا وعيي على ما هو عليه الآن وفرّقتنا الحياة، وعبر فيسبوك تعرفت إلى نجم سهيل الذي لن ينطفئ أبدا.
خلال عشرة أعوام، صارت الأحزاب كلّها موجودة على فيسبوك، صار الفعل السياسي الأهم موجودا على فيسبوك، حياتنا الاجتماعية على فيسبوك. صرت تقيس حضورك في المظاهرة، وفي الاعتصام، وفي إشغال الحيّز بحضورك على فيسبوك. الأمر بهيّ وجميل. لا أرى فيه عيبا. هنا واصلت المجاهرة بكل ما أظنّه صوابا، واستمتعت بمرأى أفكاري المدانة تجد صدى لها. الفيروس انتشر، فيروس الحرّية (وهو "فيروس" بلا بزاز أيضا بالمناسبة) في القول والحرّية في نقض كل ما يستحق النقض، وقد تمتّعت بكلّ ذرة، بكل طوشة تلاطش بالخراء، بكل نقاش، بكلّ هاشتاغ (باستثناء الهاشتاغات التي حقق فيها علاء أبو دياب لايكات أكثر مني.. أي كل الهاشتاغات)
عبر فيسبوك فتحت لنفسي، رّبّما، رفّاً في مكتبة ضابط أمن وقائي ضجر، ومكّنت أرباب عمل من رفضي من المقابلة الأولى. وتلقيت هواتف آخر الليل التي تهدد وتزبد، وتزيدني ضحكا على ضحك: الفيروس انتشر، ما من سبيل إلى وقفه. إلى الحد الذي دعا أحد أصدقائي للقول بأنني أستخدم "وسائل التواصل الاجتماعي" على العكس من وظيفتها. أي في قطع علاقتي بالعالم. سأفتقد هذا: إثبات أنني محق دائما (هههاه)
على فيسبوك جرّبت، للمرة الأولى أن أكتب ما يمكن أن أسمّيه محاولات شعرية بالعامية (كان جمهور هذه المحاولات قليلا وخاصا وفريدا، وقد استمتعت بالتجربة، من دون أن أتيح نشرها على الملأ. ثم قمت بمسح وحرق جميع هذه المحاولات، باستمتاع شديد)
::
في إحدى المرّات، وصلني هاتف من صديق فيسبوكي تسود المودّة فيما بيننا، ولم يحدث أن التقيت به: هنالك صديق أوروبي آت إلى حيفا، سينام عندك.
طيّب، بعد يومين وصلني هاتف آخر من شخص يتحدث الإنجليزية بلهجة محطّمة. (هنالك مبرر للـ Brexit بعد كل شيء). ودق منزلي شخصان أشقران، استضفتهما لثلاثة أيام، من دون أن أعرف سوى اسميها الفرديين.
انقضت أيام الاستضافة ليتصل بي الصديق الفيسبوكي إياه: آسف، "زلمتي" تأخر، سيأتي غدا إلى حيفا، هل لا زلت قادرا على استضافته؟
::
لا أقول أنني اكتفيت. لكنني امتلأت بما يكفي لكي أمارس أجمل متعة في هذا العالم: متعة الترفّع. متعة دحض المتعة. متعة قطع الوريد. جرّبوها ولن تخسروا.
لا، لم أترك فيسبوك لأنني أترفع عمّن فيه، وأنا، بطبيعة الحال، لست ذاهبا لأناضل مع العمّال في مدن الصفيح، كما أنني لست تاركا للفيسبوك لأنني مللت منه. أنا أترك وسائل التواصل الاجتماعي لأنني بالذات أستمتع بفعل الانتحار. الانتحار الذي هو مرادف الحرّية. الحرية في إخراج قضيبك والتلويح به في الهواء الطلق. (لو كنّا في الستينيات، لكتبنا "متعة إخراج لسانك للعالم". لكن الزمن، كما ترون، قد تغيّر).
::
قمت أخيرا بحذف حسابي على فيسبوك، "الحذف" لا "تعطيل الحساب". الحذف يعني التحرر من عشرة أعوام مكثفة من الصداقات والمعارف والذكريات والوهم الذي يفترض أنك، كذرّة غبار هامشية في هذا الكون، قد صرت إلكترونا ذي قيمة، في الكون الموازي. وقمت، بعد ساعات بحذف حسابي على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، تويتر، انستغرام، آسك وها أنا كلما لمست هاتفي النقال، اكتشفت أنه ما من فائدة من هذا المستطيل الزجاجي. سوى النظر إلى الساعة، والبعبصة في إعدادات الإيميل. انتظرني يا تيسير سبّول، تهيّأي لاستقبالي يا خالتو مارلين مونرو.
الانتحار جميل ، لكن القبر ممل. لا تنسوا هذا أبدا.
::
ذات مرّة، كنت مستعجلا للذهاب لإحضار الأولاد من المدرسة. وأنا أشخّ، كخطوة أخيرة في الاستعداد للمهمة، قمت بالتعليق ساخرا على أحد أعضاء الكنيست الذي روّج للتصويت لأحد نجوم أراب أيدول عبر شركة خاصة. أظن أنني اقترحت عليه أن يقوم بعمل دعاية لمعسّل النخلة الأصلي. بعد خمسة دقائق من فراغي من كليهما، الشخة وكتابة التعليق، نزلت إلى الشارع، مستعجلا.
سيارة بيضاء كانت واقفة على يسار الشارع، الجالس إلى جانب السائق رفع يده بإشارة ما. رفعت يدي بتحية، من دون تمييزه. تلافيا لحرج.
فأكد الأفندي على إشارته، تمعنت فيه، فأنزل النافذة الكهربائية، لأميز ضابط المخابرات. لويت كفّي لأسأله عمّا يقصده، وفي ذهني مصيبة التأخر عن جلب الأطفال، إن أراد تجاذب أطراف الحديث.
رفع الرجل إبهامه. فقلت له : شو؟
قال لي بالعربية: آخر كومنت، عنجد لايك !
رفعت هاتفي لكي أتصور معه سيلفي وهو يرفع إبهامه ، لكنه أغلق النافذة بسرعة وهو يقول بحزم לא.. לא فاكتفيت بالضحك.
::
“I’ve got a jar of dirt!”
Jack Sparrow- Pirates of the Caribbean
J.M. Barrie, Peter Pan
::
أيها العالم: ها أنا، مجددا، أنتحر.
أيها العالم؟
ألو؟
أنا ..
أيها الـ..
وَكْ أيها العالم!!؟
إِه!
::
"كتاب الوشوش". هذا هو الاسم الذي أطلقه أحد المدونين المصريين خفاف الظل على فيسبوك، ذات نقاش جرى ما بيننا في 2007. هذه التسمية هي ما دفعني إلى القفز، وأخيرا، إلى فيسبوك.
منذ قطعت السطح الفاصل ما بين العالم كما أعرفه وما بين اللجة، منذ قطعت سطحا فاصلا بتوتّر أبدي، سطح بارتفاع بعض ملّمتر، تحته عمق صاف وكامل، بلا قاع، انغمست في هذا العالم الأزرق . اللجة في اللجة، الأزرق في كل مكان. كنت أحيانا أستجمع قدرتي للصعود نحو السطح، فأجمّد حسابي لشهور تطول أو تقصر، لكن القلب ظلّ هناك فكنت أعود مثقلا بكل ذرة من ذكريات تراكمت في في الأزرق الذي بلا قاع.
عشرة سنوات قضيتها في اللجّة. تعرفت إلى أصدقاء، وتقاتلت مع أصدقاء. عثرت على أناس اعتقدت أنهم ماتوا. واكتشفت موت آخرين لم أسمع عنهم منذ زمن. وفي لقاءات صدفيّة، كنت ألتقي للمرة الأولى بأشخاص لم ألتق بهم يوما في حياتي ، فنتحدث ونتبادل النكات أو الشتائم، وكأننا نواصل حديثا انقطع بالأمس فقط على البار أو في المظاهرة، استمرارا لجدل استمر سنوات طويلة. وكانت الكنبة التي في صالون منزلي قد استضافت الكثير من هؤلاء، جالسين أو مضطجعين أو نائمين.
عبر فيسبوك، عدت لأتواصل مع صديقي رائد، الذي تمكن، منذ افترقنا قبل 17 عاما، من الزواج، وإنجاب أطفال سمّى بكرهم "مهند" على إسمي. والتقيت برفاق من غزة ولبنان كانوا قد شكّلوا وعيي على ما هو عليه الآن وفرّقتنا الحياة، وعبر فيسبوك تعرفت إلى نجم سهيل الذي لن ينطفئ أبدا.
خلال عشرة أعوام، صارت الأحزاب كلّها موجودة على فيسبوك، صار الفعل السياسي الأهم موجودا على فيسبوك، حياتنا الاجتماعية على فيسبوك. صرت تقيس حضورك في المظاهرة، وفي الاعتصام، وفي إشغال الحيّز بحضورك على فيسبوك. الأمر بهيّ وجميل. لا أرى فيه عيبا. هنا واصلت المجاهرة بكل ما أظنّه صوابا، واستمتعت بمرأى أفكاري المدانة تجد صدى لها. الفيروس انتشر، فيروس الحرّية (وهو "فيروس" بلا بزاز أيضا بالمناسبة) في القول والحرّية في نقض كل ما يستحق النقض، وقد تمتّعت بكلّ ذرة، بكل طوشة تلاطش بالخراء، بكل نقاش، بكلّ هاشتاغ (باستثناء الهاشتاغات التي حقق فيها علاء أبو دياب لايكات أكثر مني.. أي كل الهاشتاغات)
عبر فيسبوك فتحت لنفسي، رّبّما، رفّاً في مكتبة ضابط أمن وقائي ضجر، ومكّنت أرباب عمل من رفضي من المقابلة الأولى. وتلقيت هواتف آخر الليل التي تهدد وتزبد، وتزيدني ضحكا على ضحك: الفيروس انتشر، ما من سبيل إلى وقفه. إلى الحد الذي دعا أحد أصدقائي للقول بأنني أستخدم "وسائل التواصل الاجتماعي" على العكس من وظيفتها. أي في قطع علاقتي بالعالم. سأفتقد هذا: إثبات أنني محق دائما (هههاه)
على فيسبوك جرّبت، للمرة الأولى أن أكتب ما يمكن أن أسمّيه محاولات شعرية بالعامية (كان جمهور هذه المحاولات قليلا وخاصا وفريدا، وقد استمتعت بالتجربة، من دون أن أتيح نشرها على الملأ. ثم قمت بمسح وحرق جميع هذه المحاولات، باستمتاع شديد)
::
في إحدى المرّات، وصلني هاتف من صديق فيسبوكي تسود المودّة فيما بيننا، ولم يحدث أن التقيت به: هنالك صديق أوروبي آت إلى حيفا، سينام عندك.
طيّب، بعد يومين وصلني هاتف آخر من شخص يتحدث الإنجليزية بلهجة محطّمة. (هنالك مبرر للـ Brexit بعد كل شيء). ودق منزلي شخصان أشقران، استضفتهما لثلاثة أيام، من دون أن أعرف سوى اسميها الفرديين.
انقضت أيام الاستضافة ليتصل بي الصديق الفيسبوكي إياه: آسف، "زلمتي" تأخر، سيأتي غدا إلى حيفا، هل لا زلت قادرا على استضافته؟
::
لا أقول أنني اكتفيت. لكنني امتلأت بما يكفي لكي أمارس أجمل متعة في هذا العالم: متعة الترفّع. متعة دحض المتعة. متعة قطع الوريد. جرّبوها ولن تخسروا.
لا، لم أترك فيسبوك لأنني أترفع عمّن فيه، وأنا، بطبيعة الحال، لست ذاهبا لأناضل مع العمّال في مدن الصفيح، كما أنني لست تاركا للفيسبوك لأنني مللت منه. أنا أترك وسائل التواصل الاجتماعي لأنني بالذات أستمتع بفعل الانتحار. الانتحار الذي هو مرادف الحرّية. الحرية في إخراج قضيبك والتلويح به في الهواء الطلق. (لو كنّا في الستينيات، لكتبنا "متعة إخراج لسانك للعالم". لكن الزمن، كما ترون، قد تغيّر).
::
قمت أخيرا بحذف حسابي على فيسبوك، "الحذف" لا "تعطيل الحساب". الحذف يعني التحرر من عشرة أعوام مكثفة من الصداقات والمعارف والذكريات والوهم الذي يفترض أنك، كذرّة غبار هامشية في هذا الكون، قد صرت إلكترونا ذي قيمة، في الكون الموازي. وقمت، بعد ساعات بحذف حسابي على مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، تويتر، انستغرام، آسك وها أنا كلما لمست هاتفي النقال، اكتشفت أنه ما من فائدة من هذا المستطيل الزجاجي. سوى النظر إلى الساعة، والبعبصة في إعدادات الإيميل. انتظرني يا تيسير سبّول، تهيّأي لاستقبالي يا خالتو مارلين مونرو.
الانتحار جميل ، لكن القبر ممل. لا تنسوا هذا أبدا.
::
ذات مرّة، كنت مستعجلا للذهاب لإحضار الأولاد من المدرسة. وأنا أشخّ، كخطوة أخيرة في الاستعداد للمهمة، قمت بالتعليق ساخرا على أحد أعضاء الكنيست الذي روّج للتصويت لأحد نجوم أراب أيدول عبر شركة خاصة. أظن أنني اقترحت عليه أن يقوم بعمل دعاية لمعسّل النخلة الأصلي. بعد خمسة دقائق من فراغي من كليهما، الشخة وكتابة التعليق، نزلت إلى الشارع، مستعجلا.
سيارة بيضاء كانت واقفة على يسار الشارع، الجالس إلى جانب السائق رفع يده بإشارة ما. رفعت يدي بتحية، من دون تمييزه. تلافيا لحرج.
فأكد الأفندي على إشارته، تمعنت فيه، فأنزل النافذة الكهربائية، لأميز ضابط المخابرات. لويت كفّي لأسأله عمّا يقصده، وفي ذهني مصيبة التأخر عن جلب الأطفال، إن أراد تجاذب أطراف الحديث.
رفع الرجل إبهامه. فقلت له : شو؟
قال لي بالعربية: آخر كومنت، عنجد لايك !
رفعت هاتفي لكي أتصور معه سيلفي وهو يرفع إبهامه ، لكنه أغلق النافذة بسرعة وهو يقول بحزم לא.. לא فاكتفيت بالضحك.
::
“I’ve got a jar of dirt!”
Jack Sparrow- Pirates of the Caribbean
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق