10.11.16

سعي

 لم أسمع في حياتي قصة تكثّف السعي نحو الدفء كقصة أحمد سناقرة،"السنكور"، كما سمعتها من خاله رائد.

عاش حياته مطاردا بلا غطاء واحد. مُطارد بلا حاضنة.
كل بيت تثبت عليه تهمة إيواء السنكور كانت تجري مداهمته واعتقال أصحابه.
كل مستشفى كان يُرسَلُ السنكور إليه مصابا إثر اشتباك كان يُقتحم ويفتّش.
كان السنكور يودِعُ أصحابه في ثلاجة مستشفى رفيديا.
كانت المسافة القصيرة بين جيل الـ16 وبين عمر استشهاده كلها بروفات وداع: يودّع أمّه تحسبا لاستشهاد مفاجئ، ومن ثم يودّع أصدقاءه ويرفع جثامينهم الباردة في الجنازات، وينسرب البرد من الأجساد المرفوعة إلى أسفل ظهره. إلى أن توصّل إلى حل مرحلي لمشكلة البرد: في جيل السادسة عشرة بدأ بدفن أعضائه، المتساقطة في الاشتباكات المتكررة، قطعة قطعة، في التراب. هكذا، على الأقل كان يضمن بأن يدفأ بعضه تحت الأرض.
كان يخاف البرد! وكان يحاول حماية الإم سطّاش منه، لذا، فقد تحتّم عليه الانتقال من اشتعال إلى اشتعال، ومن اشتباك إلى كمين، زرع أصابع يده اليمنى في الأرض وتركها هناك. زرع أصدقاءه وهرب من برد ثلاجة مستشفى رفيديا. كأنه كان متمسك بالدفء لا بالحياة.
أوصى السنكور والدته بثلاث وصايا: أن لا تتركهم، عند استشهاده، يأخذون جثمانه إلى ثلاجة المستشفى. أن يدفنوه مع غطاء صوفيّ. وأن يدفنوه بين قبري أخيه وزوج أخته (الشهيدين). "سيتّسع المكان لي" قال ، "أنا نحيف" !
استشهد أحمد سناكرة في جيل 21 عاما. استخدموا طائرات أباتشي ودبابات ميركافاة وشحنات سي فور للقضاء عليه، وهو قاتلهم من تحت الركام لساعات طوال بيده اليسرى (فأصابع يده اليمنى مزروعة في التراب). انتصر الاحتلال، في نهاية الأمر. وغطّى دم السنكور وشظاياه ساحة الاشتباك .
الآن: تأملوا هذا المشهد الجليل: طيلة الليل.. وقفت أمه حارسة قرب أشلائه، في السرير المغطى بالصوف، في المستشفى. سهرت طيلة الليل حتى موعد الجنازة لتمنعهم من وضعه في ثلّاجة. وعند انتهاء الجنازة، اتسع القبر لشظايا شهيد ملمومة في غطاء صوفي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق