6.3.12

"جائعون للحرية".. تساؤلات الحراك


11    تساؤلات الحراك
يتخذ الإعلان عن الذات، باعتباره تكوينا معرفيا منظما ومتعلَّما للمدرك التصوري والتقييم الذاتي، صفة  الإعلان عن "الحراك" بصفته حراكا، وهو، بذا، سمة خجولة في هامش العمل السياسي في فلسطين، فهو إعلان عن "سلمية التغيير" وإصلاحيته ضمن المبنى القائم. إعلان المبادئ هذا يحمل، في العنوان الرئيسي، شعار التغيير الإصلاحي من داخل علاقة الإنتاج الوطني والسياسي المأزومة. حيث لا خروج على من نصّب ذاته وليا للأمر (وطنيا). بل هو اندراج، بمعنى ما، في مراكمة السائد بحيث تصب الجهود، في نهاية المطاف، في ترسيخ علاقة الإنتاج الوطنية ذاتها: علاقتها بذاتها، وعلاقتها العضوية التي تجد لنفسها مكانا بنيويا في منظومة الصراع. تلك المنظومة التي تكتفي فيها الحركة الوطنية بموقعها في الزاوية.

إن تعريف "الحراك" قد صار قاصرا عن توصيف الطاقة الكامنة في تحركات الشباب على امتداد التراب الوطني الفلسطيني، والأمر يتطلب منّا إعادة تعريف هذا التيار السياسي، لا وفقا لموقعه الحالي في الصراع فحسب، بل ووفقا لدوره المأمول في تغيير موقع الحركة الوطنية من موقع المكوّن الشكلي إلى موقع الندّية.

 إن موقع المكوّن الشكلي، بمعنى الارتضاء بأن تكون الحركة الوطنية مجرد جزء من ديكور الصراع، بالمناسبة، مريح جدا لطرفي الصراع: فمن جهة: سيكتفي "المقاومون" التاريخيون بمواقعهم الرفضوية على هامش التاريخ دون محاولة التأثير فيه، وتكتفي أجهزة العدوّ، الأمنية منها والسياسية،  بهذا التعامل المخبري والميكانيكي مع كائنات سياسية صارت ردود فعلها، وممارساتها، ومقولاتها معروفة مسبقا. ولا تخرج عن إطار التوقعات، وبالتالي عن ردود الفعل الميكانيكية هي الأخرى. بعبارة أو بأخرى: يقول رجا إغبارية أو عضو كنيست وطني، أو قيس عبد الكريم ،  لبيبي نتنياهو: يلا نلعب عرب ويهود.. فيقول نتنياهو مادّا لسانه: بس ممنوع الغش.  وهكذا، تعيد المصفوفة إنتاج ذاتها عبر مصارعات تليفزيونية  تغيّب حقا ما هو جوهري في الصراع. هكذا، مثلا، تكتفي المقاومة في غزة بإطلاق ألعاب نارية بمسميات بتهدّ الحيل على شاكلة "صاروخ أبو علي مصطفى المطوّر" بينما يؤجج عضو الكنيست الوطني جدا الصراع عبر المدافشة مع "سدران" الكنيست، أو بالصراخ على مقدم برامج في العاشرة الإسرائيلية في عز البرايم تايم. فلا المقاومة "تغشّ"، ولا قوانين اللعبة تُخترق، ما يضمن استمرار اللعبة بروح رياضية عالية بين الفريقين. ولا ضير، إذئذ، من إطلاق زخات الشعارات المقاومة من جهة، والتحريضية  مرفقة بالرصاص  والقذائف  والقوانين العنصرية من جهة مقابلة، فكل هذا من متطلبات اللعبة.

كل هذا يحصل، بينما ماكينة الإحتلال تعمل، ضمن أيدلوجيا  التفريغ والإحلال الممنهجان، وبمعزل عن التعامل الميكانيكي مع الكائنات السياسية المخبرية الفلسطينية (الأحزاب والمجموع الوطني-المنظم)، وهي(أي ماكينة الإحتلال)  تواصل السير قُدما في تثبيت وجودها لا على الأرض وحدها، بل والاهم: في الوعي. في الوقت الذي تقوم به علاقة الإنتاج بترسيخ التعامل مع الاحتلال بصفته أزليا وأبديا، وتكتفي من الصراع بديكور الصراع.  وكل هذا يحصل، بينما تصرف ملايين الدولارات ، سنويا، لا على الآلة العسكرية فحسب، بل وعلى الجهاز الأمني. والجهود تصبّ يوميا على إعادة هيكلة ما هو معرفي في الذات الفلسطينية المهزومة منذ تشكلها. بينما، وعلى الطرف المقابل تتحوصل الحركة الوطنية حول ذاتها وحول شعاراتها.
صحيح أن استدخال الهزيمة هو أمر طارئ في مسار الهوية الفلسطينية منذ تشكلها، لكنه، وبحكم وقوعه في خضم الصيرورة،  يتصيّر بنيويا أيضا: تكفي نظرة إلى تاريخ تشكّل الهوية الفلسطينية، في بداية السبعينيات، ومن ثم انكفائها بعد عقد، في هزيمة 82 ومحاولات المصفوفة السياسية الفلسطينية  استنباط مقومات الصمود على أرض الهزيمة دون أن يخل الأمر بالإبقاء على اشتراطات الهزيمة. للقول بأن الهزيمة التاريخية للمشروع الوطني الفلسطيني هي أمر وشيك الحدوث وهي أيضا بنيوية، ما لم تطلق الحراكات آفاقا جديدة للعمل.

إن دور نماذج ك"جائعون" و"حراك أبناء البلد" و"الحراك الشبابي المستقل" و"حركةالشبيبة اليافية" و "خطوة" وغيرها، هو مسؤولية تاريخية، وهو ليس مستحيلا، فمن نافلة القول أن "الحراكات" الشبابية تحمل طاقة أكبر بكثير من كونها مجرد تيارات هامشية داخل التيار الوطني العريض. إنها خروج على علاقة الإنتاج وخروج على الهزيمة وعلى القيادات المهزومة. وهي، سواء تعلق الأمر بمبناها أو بشعاراتها وممارساتها اليومية، انقلاب حقيقي على الأعراف الحزبية. وهي، أيضا، انقلاب على المقولة السياسية الفلسطينية الراهنة.ومن نافلة القول، أيضا، الإعتراف بأن هذه الحراكات قد وصلت مرحلة تلزمها بتشخيص دورها في منأى عن الممارسة الحزبية الحالية. ليس بهدف تطوير ممارساتها (فهذه الممارسات قد تجاوزت بكثير عنوانها الخجول وقد أثبتت قدرتها على التحرك قدما وتجاوز المقولة السياسية المستلبة والمتحوصلة على ذاتها وعلى إنجازات الماضي، وأبدعت، نضالا شعبيا في المناطق التي ينأى "اليسار التقليدي" عن الخوض فيها). بل ومن أجل بناء مصفوفة أخرى، غير نمطية، في مقاومة الإحتلال.  فالمقاومة، أولا وقبل كل شيء، هي فن المباغتة: هي حشر الإحتلال وردود فعله في دائرة الميكانيكي، والمتوقع. بينما الحاصل، حتى الآن، هو العكس تماما.

لقد تحرك الشباب بحيوية في ثلاثة مناطق كانت،عادة، مهملة ومتروكة لقصف الخطاب.  المنطقة الأولى هي إنهاء الإنقسام السياسي، وقد أنجزت، في ظرفها الموضوعي، توجها عاما دفع القيادتين في غزة والضفة إلى الالتقاء تحت ضغط الربيع العربي. ورغم بياخة القيادتين في التعامل مع موضوع إنهاء الإنقسام، إلا أن الناجز أهم: وهو رضوخ القيادتين لإرادة الشارع. بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع جدوى "إنهاء الإنقسام". وبالإضافة: يعمل الحراك الشبابي، مركزيا، على قضيتين راهنتين أخريتين، فبينما يركز حراك الضفة مجهوده الحالي في مقاومة التطبيع، يعمل حراك 48 على موضوعة الأسرى باعتبارهما قضيتان راهنتان ومهملتان وتقعان في صلب الإجماع الوطني.

هذه المحاور الثلاث، رغم آنيتها، هي أيضا تجارب  مخبرية. تجارب أخرجت الكائن المخبري السياسي الفلسطيني والقبضة الأمنية الصهيونية عن أطوارهما وأحرجتهما: فلا المصفوفة السياسية الفلسطينية قادرة على احتواء أو لجم الحراكات، ولا القبضة الأمنية بلورت رد فعل ميكانيكي على الحراكات باعتبارها لم تتنمط بعد، وباعتبار الحراكات ليست ميكانيكية أيضا.
إن نجاح الحراكات في إطلاق طاقات كامنة عبر هذه المحاور الثلاث يفتح باب التساؤلات حول مستقبل الحراكات وهويتها، قواسمها الجامعة ومواطن ضعفها. ويدفعنا، ضمن هذا النطاق، إلى التساؤل حول مصير وآليات عمل "جائعون".

2       في تعريف الذات، إيدلوجيـّاً أيضا
هنالك يسار جديد يتخلق في فلسطين، هذا اليسار يتشكل، في غالبيته، من أصحاب المعتقدات الإشتراكية والقومية، هذا الإصطفاف يتشكل في الأساس على مبدأ التعاقد الفردي، هذا اليسار إسمه : الحراكات الشبابية المستقلة.

إن كانت الصيغة المامولة، لانتشال اليسار من مأزقه سابقا، تتمثل في تجارب مأزومة تتمثل في حوارات الوحدة بين الجبهتين في أوائل التسعينيات، أو تحالف الجبهة والتجمع في انتخابات الكنيست، أو في محاولات بناء كتلة برلمانية يسارية تحت سقف انتخابات مجلس أوسلو التشريعي، أو إعلان الوحدة بين شقّي حركة أبناء البلد.  أو  فهذه الصيغة قد تجاوزها الزمن، إذ لا مكان لوحدة فيدرالية بين مبنيين متصدعين، ولا جدوى حاصلة من وحدة الهياكل الخاربة التي ترى في العمل "الوحدوي" دفاعا عن ذاتها (لا عن الهم الوطني) في مواجهة عوارض الزمن. كما وأنها تستدخل الهزيمة عبر اعترافها غير المعلن بتجزئة الشعب الفلسطيني، فوحدة الجبهتين هي أمر يستثني فلسطينيي 48 بنفس المقدار الذي يعترف فيه تحالف الجبهة والتجمع بما يسمى "خصوصية فلسطينيي الداخل".

بيد أن الخطورة التي تهدد الحراكات تكمن في كونها لم تتبن، بعد، مقولتها الأيدلوجية، رغم أن القاسم المشترك بين الأفراد، في هذا التعاقد الفردي وغير المعلن، يمكن تشخيصه في :العدالة الإجتماعية، الحس الوطني والقومي ، وحدة آمال ونضال الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وآليات العمل الديمقراطي. إلا أن تبني الموقف الوطني العام، وانشغال  الحراكات في الممارسة السياسية اليومية، يقيها "شر" الحديث في الأيدلوجيا. والخطورة تكمن، أيضا، في كون الحراكات لم تقرر، بعد، تجاوز كونها مجرد " حراكات" داخل البنى المهلهلة للاحزاب.

 (يتبع)