15.10.11

فيوليتا بارا.. صباح الذباب


هكذا يبدأ النهار في خيمة الاعتصام.. محركات الشاحنات تبدأ في الصرير صعودا في شارع الكرمة، باتجاه دوّار البهائية..  وتباشر الشمس، بمرافقة الذباب مهمة إيقاظنا،وكذلك شخير ربيع:  (ربيع هو محطة تشويش  التجسس خاصتنا، ويبدأ عمل هذه المحطة منذ الثالثة صباحا، أي : عندما يذهب الشاباك إلى النوم) ... 
::
شيئا فشيئا، يبدأ المعتصمون في النهوض، واكتشاف فداحة التكوين الفني الذي أنشأناه منذ الأمس:  قناني بلاستيكية فارغة, بواقي مناشير الأمس، أعقاب سجائر، فرشات بألوان وأحجام وروائح مختلفة ، أحذية متناثرة في كل مكان ، وصاحب الفندق اللصيق ينظر إلينا من الشباك بامتعاض:  هورييه رفيقات .. مرحى رفاق: لقد حوّلنا وسط الشارع السياحي إلى مزبلة 

::

لا أخبار من السجون.. لا أخبار بالمطلق.. نحن الآن لا نعرف شيئا عن الجبهة الأخرى، الأكثر سخونة، نحن جنود مكلفون بالصمود تحت قصف الذباب وشخير ربيع الهمجي.. اللا إنساني، البربري، الفاقد معنى الرحمة ، دون أن نعلم ما الحاصل في الحرب الكبرى.. وبرغم كل هذا، فكل جنديّ فينا يكتشف سببا آخر يعينه على الصمود: غسان مطر، مثلا: مشغول ويشغلنا بتطبيق آيفون توعوي حول كيفية عمل ساندويشات المقانق: الهوت دوغ..  

::

يوميا، يأتي رجل مسنّ، بصلعته ونعله المفتوح،  يحمل أكياسا ملآى بالماء المثلج، بالحليب، بالمناشف ، يسألنا عن معنوياتنا ، يسألنا إن كانت لدينا أخبار عن السجون، وبلهجته الحيفاوية يقول : "أهم شغلي هنّي يصمدوا جوا "ودون أن يعرّف عن نفسه، يلقي علينا السلام ويسير صعودا نحو دوار البهائية .. يختفي

::

إقتباس من "إم سعد" لغسان كنفاني: 
كانوا قد حوصروا، إلا أنهم احتفظوا بمكمنهم هادئين، وقدّروا أن الحصار سينفكّ بعد ساعات.. امتدّ الحصار أياماً حتى أنهكهم الجوع… عند الظهر قال سعد لرفاقه: 
- ها قد جاءت أمي.. 
وبدت لهم عجوزاً في عمر أم سعد وفي قامتها العالية الصلبة.. قال أحد الأربعة: 
- أمّك..؟ أمّك في المخيم يا أخوت.. 
قال سعد: 
- أنتم لا تعرفون أمي ،إنها تلحق بي دائماً، وهذه أمي.. 
وفجأة ناداها: 
- يمّا.. يمّا.. 
توقّفت المرأة لحظة، وأدارت بصرها في الحقول الصامتة حولها: 
- أنا هون يمّا.. أنا سعد يا يمّا، جوعان.. 
سقط القضيب من يد الفلاّحة العجوز وهي تحدّق إلى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي، وبالرشّاش على
كتفه: 
- يجوع عدوّيك يا ابني.. تعال لعند إمّك..
تلك المرأة العجوز ظلّت خمسة أيام تطعمهم لم تتأخر ساعة واحدة حتى انفكّ الحصار.. جاءت فوضعت الزوّادة ونادت: 
- العسكر راحوا.. الله يوفّقكم..
"
هل تتذكرون "إم سعد" ؟؟؟ هذا الرجل هو زوجها، أكاد أجزم أنه زوج المرأة التي كانت تحمل حطبا في الدغل وتتهادى، إلى  أن يروح العسكر

::


شيئا فشيئا يبدأ المعتصمون في النهوض، في البحث عن سجائرهم، في محاولة لملمة بقايا المنشورات، واستقبال إم سامر، في استقبال سهير، مبدّا،  ربيع ا(هذا ربيع آخر، غير محطّة التشويش) ربيع لذي يطلب منّا كل صباح أن ينضم إلى الإضراب، ونحاول ، بشتى الوسائل خوض مفاوضاتنا معه بأن يرجئ إضرابه  لأن وجوده قادرا على التحرك حيوي.. حلا التي تعمل على بطاريتي دوراسيل...ولينا التي قبل أن تقول صباح الخير وتعانقنا واحدا واحدا تقول: شربتوا الميّ؟؟ شخّيتوا؟؟

شخّينا كثيرا، لينا، في الواقع، رفيقة: نحن الآن نشخّ.. نشخ على القيادات وعلى الصفقة.. نشخ على إسرائيل.. والجميع مدعو ليشاركنا الشخّة، على ألحان فيوليتا بارا.. 

1 تعليقات:

ahmadyaz يقول...

على الأقل ستبقى الدعوة إلى الشخة مفتوحة حتى أشعار آخر