ارتجالات الفجيعة
.. ها أنا ذا.. في تمام الثانية من فجر الصحراء التي تأكل روحي يوميا وتتجشؤها، أرفع رائحة الخراب على راحتي اليسرى. أغتسل بها، أتحسس أعضائي وأعيد لملمة شظايا المرآة المكسورة.
ها أنا ذا، بعد أن كدت أقطع شريانا يربطني بكل هذا العبث، أستسلم للصحراء، أتماهى مع الرمل والأشياء الرمادية، وأواصل البقاء على القيد الصدئ والضيق للحياة
على قيد الحياة
على قيد ..
على "قيد".. الحياة
أصهل، وأفتح عيني في الظلمة عن آخرها، وتتحرك أذني.. وبقعة الدم توقفت عن الانتشار
::
عندما قالوا :"مبروك،فكرت بالجياد.. بالحصان الذي في حلبة السباق، الحصان الذي يتسلق الهواء، ويمد أنفه، ويمد الصهيل. ويغمض عينيه ويقول "يا ألله يا ألله.." ويترجى ويترجى.. و"يفوز" بالمرتبة الثانية.. يخسر
أي صدى للعويل في قلب الحصان الثاني.. الخاسر الأول؟؟ أي مدى ؟؟ أي اتساع يتسع للفجيعة؟؟ أي صدى للصهيل؟؟ أي انتشار لرائحة الخراب في القلب المجهد، أي ماء سيغسل عرق العار عن جلده المستنفر؟؟
أنا الحصان الأول، الحصان الذي صورته على الصفحة , الذي لا يشبه، بالمطلق، الحصان الذي في ذهن الله، والذي كل الخيول نماذج مشوهة عنه. أنا الحصان الأول، الذي اسمه في الجريدة، والذي يخسر، يوميا، قدرته على الخبب.
أنا الحصان الخاسر. الحصان الذي خسر لحظة التأمل، لأنه فاز بالصرخة. الذي خسر دهشة الخسارة. الذي مدّ في مدّ المدى صهيله، وغطى على انكسار القلوب.
أنا الحصان المحموم المحكوم بالفجيعة. أنا الحصان المصاب بالفرح الطارئ. الذي يشعر بالخسارة تمد أصابعها الخمس في شعر رقبته. ولا يقوى على الانتفاض. أنا الذي عضلات ساقي كلها منذورة للعدو إلى الأمام. أنا الحصان الذي وصل, بصدفة الريح, أولا. وأنا الحصان الذي خسر كل شيء..
أنا المهزوم أمام رغبتي بالتقدم, أنا الهارب من ظلي, أنا الذي تلسع الأرض أقدامي فلا أقوى على الوقوف. أنا المهزوم أمام صورتي, المكسور أمام رغبة الوصول
أنا المكسور
وما من رتق
ولا إشفاق
أنا المسكون بالعلة
وما من وصل
سوى الإغراق في العشق
فكرت بحارث.. حارث شاب من العراق، لا أعرفه بالمطلق.. قالوا، في معرض الحديث عن قصته: لولا أن نصفها الثاني كان مكرورا لفاز بالمرتبة الأولى..
فكرت فيه كثيرا وحزنت، تمنيت أن أقول له: عبث كل هذا يا صديق.. عبث بكاؤنا على الورق.. وعبث قرار اللجنة.. لكنني لم أقل له شيئا لأنه نظر إلي كجواد جريح. أما أنا فلم أذهب لاستلام الجائزة
تعال يا حارث.. خذ فجيعتي وفز.
::
"...ومن ذلك الضَّبر وهو إذا وثب الحصان فجمع يديه، وإذا باعد بين خطاه وتوسع في مشيه فيسمى العنق، وإذا عكس ذلك بأن قارب بين خطاه فتسمى المشية عندئذ الهملجة، أما إذا عنق مرة وهملج أخرى فذلك يسمى الارتجال، وإذا قبض رجليه وراوح بين يديه واستقام جريه فهو الخبب، وإذا خلط العنق بالخبب فيسمى التّقدّي، وإذا لوى حافريه إلى عضديه فذلك الضّبع. أما إذا كان أثناء جريه يضع يديه ويرفعهما في آن واحد فيسمى التقريب. وإذا جمع في جريه بين التقريب والخبب فذلك العُجَيلي. والإمجاج هو أن يأخذ في العدو قبل أن يضطرم والإحضار أن يعدو عدوًا متداركًا، والإرخاء أشد من الإحضار، والإهذاب أن يضطرم في عدوه، والإهماج هو قصارى جهد الفرس في العدو. على ذلك يكون ترتيب العدو كالآتي: الخبب، فالتقريب فالإمجاج فالإحضار فالإرخاء فالإهذاب ثم الإهماج."
::
ها أنا ذا، أنزوي على الفراش الأرضي، أغلقت الشبابيك والستائر، وليس من ضوء سوى صفرة شحيحة تأتي من المطبخ، أكتب في حضرتها ما أكتب.
الآن توقفت قطرات الدم عن النزول، والقماش مشبع الآن بخصوبة الأحمر.
لو كان الله يريد، لاستغل لحظة الضعف هذه كي يستعيدني.. لو كان الله يرغب، لبكيت وقلت له: أنا في حضرتك قطرة يا ألله، قطرة وسخة ومستهلكة، قطرة وحيدة.. تلملم حدودها وتواصل سقوطها نحو الأبد.
أنا في حضرتك قطرة تقطر أحمرا. ينتشر دافئا في القماش، يصعد اسموزيا نحو رقبتي وتغرقني رائحة الدم في الشاش.
تستنفرني. وأسمع الصهيل الخافت والخبيء في دمي المعطوب.. أنا في حضرتك قطرة يا ألله، يا أزرقا عميقا وممتدا في المكان وفي الزمان وفي الأنفس وفي المسافات.. أنا في حضرتك قطرة.
لو كان ملك الموت أسرع بديهة، لسهّل انزلاقي إلى جوف الموت، لأخذ بيدي كطفل تائه ومسّد شعري وقال: لا تخف مني: أنا الآتي .. أنا الحتمي.. أنا أبوك يا ابني، أيها الخارج مني، أيها الذاهب إلي، أيها الهارب إلي مني نحوي..
لو كان في هذا التليفون رصيد، لربما كنت انشغلت عن انكساري بحديث غير ذي معنى مع صديق قديم عن حالة الطقس، وعن مصائر الأصحاب المهاجرين إلى أطراف العالم. ما علينا
::
2
لحظة شخصية جدا:
أنا فاقد الثقة تماما، ليس بما أكتب، بل بمن يقرأ.. ما أكتبه قد يستحق القراءة، لكن كيف لي أن أقول، بعيدا عن التعالي: يا سادة: كلوا خرى.. أنتم تصفقون لأنكم تصفقون، لا لأنكم تجيدون القراءة، ولا لأن كتابتي تستحق!
أناحزين، روحي، وحتى اللحظة تغتصب منهجيا
....
اعتذار:إلى امرأة تستهلك رصيد تليفونها وقلبي في اتصالات الليل على موبايلي، لن أرد لأنني جبان
يا امرأة، أنا حصان مهزوم، حصان يستحق الموت العسكري في الباحة الخلفية برصاصة الرحمة، أنا لا أريد من الحب سوى لحظة ما قبل الاعتراف، وسيجارة الصباح في اليوم الذي يتلوه.. صدقيني: أنا مرعوب، لأن كل ما يتلو هو سيناريو مكرور
خذي بيدي، في منتصف الجبين.. في منتصف الجبين تماما.. خذي بيدي.. أنا المأخوذ بشهوة الموت، المنذور للمسارات السريعة، احتضني قلبي.. في منتصف الجبين، في منتصب الشاهد، في مُنكَسَر الهامات، على الهاوية، حيث أقذف ببلورة قلبي نحو الصخر، حيث أريد الضجيج الأبدي أن يدوي، قلب مكسور بإرادة صاحبه، جسد يقفز نحو الأبد، جسد يقفز نحو الولد الذي فيه، نحو الوردة، نحو إرادة الصوفي في الوصول إلى معنى ما، نحو الرعب المنطقي من منطقية الأشياء، نحو الكراهية اللازمة لحدود المربّع.. خذيني، خذي بيدي، أريدها حمراء، حامية، في منتصف الجبين.
لا مشيئة لدي.. لا إرادة.. أنا حصان يسوقه الهتاف.. أنا حصان مأخوذ ببريق الدروع.. أنا حصان منذور للفجيعة. حصان على أهبة الانتحار، حصان لم تعد عروقه تتسع لكل هذا النيكوتين.
