أريحا-أيلول
:تقديم
ما ظننته حفيف ثوبها
وراء الباب
كان خفقان قلبي
-قصيدة هايكو-
-----------
تجريد:
بعد انتهاء حفلة الاستقبال، غادروا باحة السجن وتركونا: كومة من الأعضاء المخلوط بعضها ببعض وتئن، بما يشبه غيرونيكا ثلاثية الأبعاد وملونة، ولا يتحرك فيها سوى ذباب الجراح...
هنالك ذباب، وهنالك ذباب جراح.. ذباب تجننه رائحة الدم..
وكان، هذا الذباب، العنصر الوحيد الذي يتحرك، إلى جانب الرموش، في الغيرونيكا ثلاثية الأبعاد، وسط ساحة سجن المخابرات العامة، في أريحا "المحررة"
::
03:00AM
قرب نافذة الزنزانة، مزرعة فيها ديك.
كان الديك – إبن الكلب- يبدأ وصلة الصياح تحت شباك الزنزانة يوميا، في تمام الثالثة فجرا، بعد انتهاء جولة التحقيق.. مما أوقعنا في ما يشبه اليقين: هذا الديك عرفاتي، ومتعصب أيضا.
::
ذاكرة تشتريها السجائر:
كان س. (أحد أكثر عناصر المخابرات إنسانية) يأتينا في ساعات ورديته، ويوزع علينا السجائر.. يتربع على الأرض، قرب فتحة الطعام في الباب ويحكي عن كل شيء. وحين يحين وقت الحديث في السياسة كان يبصق ويقول "كس إخت اسرائيل على أخت فلسطين... بدنا نعيش".
كان س. عنصر المخابرات الوحيد، الذي لم نتعمد إيذاءه، في طاقم السجانين؛ لذا، فلم نخاطبه بالعبرية طيلة فترة اعتقالنا.
لا أذكر حقا إن كان س. يشارك في حفلات القمع وسط الساحة، مما يثبت أن الذاكرة يمكنها أن تكون انتقائية بالفعل
::
قصة أخرى..
وسام حلس كان قصة أخرى، وسام كان مؤذيا.. كان يتعمد شتم الشيوعيين، وحماس، وأهل الضفة والقدس، والمعارضة، وبنات الجامعات، والمسيحيين. وكان يضرب لأدنى سبب، فإن لم يتوفر له هذا السبب، عمد إلى طرق هراوته بأبواب الزنازين في محاولات مستميتة لاصطياد البعوض والصراصير. وكان، حين يملّ، يستغرق وقته في البحث الدائم عن ذريعة لنقلك من الزنزانة إلى زنازين العزل، حيث لا ضوء شمس، ولا ديك عرفاتي يقلق نومك.
تعمدنا الصدام، بالتناوب معه،من أجل الصدام، ومن أجل يوم نوم هادئ، في معزل من زحمة الزنازين، وصراخ المعتقلين، وأغاني مارسيل، وصوت الديك
::
معا/ إبتسامة المهزومين..
"بلدنا في محنة.. نظامها دابحنا" ..ويعلو النشيد، فيرتبك الحرس، وينادون عقيدهم الذي يصل، بعد دقائق متثاقلا.. وينتهي النشيد عند "رئيسك خلاص سلمك لليهود"
وبدلا من أن تبدأ حفلة تعذيب إضافية كالتي حصلت قبل أسبوع، وعلى وقع ذات الأغنية ، يبتسم العقيد العجوز ويقول: هذه الأغنية سمعتها من الشيخ إمام شخصيا، في حوش قدم منذ عشرين سنة.
ونبتسم جميعا.. هو بفعل النوسطالجيا، ونحن لأنه لا يوجد ما نفعله بشفاهنا.. ولأن البكاء صعب ويعني انتصارهم علينا، وعلى الشيخ إمام.. معا
::
بيروقراطية التناوب:
في سجن المخابرات العامة، تتناوب، وبتأخير معتاد وبيروقراطي النقائض
يتناوب الذباب في النهار، والبعوض في الليل ..
الصراصير في الزوايا، والبق في الفراش ...
هكذا يتناوب المحققون، ويتأخرون عن ورديات التعذيب، ولا يملكون من اللياقة ما يكفي للإعتذار، لأن وجبة التعذيب، متأخرة، تؤخرك أنت أيضا عن طبق العدس المسائي الذي تستثنى منه، لعدم التزامك بوقت التوزيع
::
أممية:
كان ن. معروفا بسوء ذوقه حتى صار موضع تندرنا الدائم، قبل الاعتقال وأثنائه.. وكان، رغم صداميته المذهلة، يقابل تهكمنا عليه بالضحك.
لكن قمة سوء الذوق هذه باغتتنا ذات يوم.. حين، من لا مكان، ودون أي سبب مباشر، كتب بأعقاب السجائر على حائط الزنزانة
"غد الأممية.. يوحّد البشر"
كان أكثرنا ذوقا، وكانت العبارة تليق أكثر من أي عبارة أخرى، بحائط القاووش، في اليوم الأول للإضراب عن الطعام.
::
أنا أتهم:
محمد زغلول، من قرية حزما، جنوبي رام الله
العينين الغائرتين في خدين يشبهان غورا سحيقا، تغطيه ذقن كثيفة..
مسدس "يريحو" (أريحا –بالعبرية) الاسرائيلي على خصره (هل هذه صدفة؟: مسدس أريحا في سجن أريحا؟).
لا أستطيع الحديث عن وسائل التعذيب التي ابتدعها..
طريقته الخاصة في الضرب حتى الإغماء.. حتى ما بعد الإغماء.. حتى ما بعد الاستفاقة.
كل معتقل يغمى عليه بين يدي "زغلول" متهم بالتظاهر بالإغماء حتى يستفيق، من الضرب..
لا أحد، مهما تمكنت لغته، بإمكانه توصيف طريقته في التعذيب..
ما أعرفه جيدا أن نمرة قدمه هي أربعة وأربعون، أعرف هذا لأن النمرة انطبعت بزوايا وأعماق مختلفة على كتفي وظهري، صبيحة يوم ماطر من أيلول..
"الحرب هي سطوة المعنويات"، يقول صان تسي. لذا، فلم أتوقف عن التحديق في وجهه حين خلع بسطاره وضربني به، بما يشبه الجنون، خمسة مرات على الأقل حتى سال الدم من صدغي وحلقي وأذني
كان يصرخ بسعار: لماذا تنظر إلى وجهي؟ لماذا؟؟..
بدأت، ويداي مقيدتان، باكتشاف "ذباب الجراح" آنئذ... ذباب جراح آدمي..
حين خرجت من السجن، رأيت محمد زغلول مرتين.. كان ينظر إلي ضاحكا..
محمد زغلول.. عندما ينتصر الشعب هنا أيضا، سأفرح بالتحديق في عينيك، وسأقول لك: لماذا كنت أنظر في وجهك، وبماذا كنت أفكر، طيلة هذا الوقت
