الناظر لأعلام الوطن العربي, يكاد يلاحظ أمرا مهما هو : أن الأخضر هو الغالب على أعلام الدول العربية
فدول الهلال الخصيب, واليمن, والسعودية والكويت وليبيا والجزائر وموريتانيا, والسودان كلها أخضر بأخضر, حتى تكاد تحس أن لا وجود للربع الخالي إلا في ذهنية المستشرقين والدعاية الهدامة الهادفة لتشويه صورة العرب.
شعاراتيا: الوطن العربي يقدس الأخضر, حتى أن العرب اختاروا رئيسا لجامعة الدول العربية بيلبق مع هالطموح: الرفيق "الأخضر الإبراهيمي" كتعبير فذ عن طموح العرب بتخضير الصحراء.. صحيح أن العرب فشلوا في تخضير الصحراء واكتفوا بشرشف أخضر على الموائد التي يتناقشون حولها بخصوص كافة القضايا المصيرية, بدءا من مصير أوبيك, وانتهاء بضرورة التلاحم مع الشعوب الصديقة, تحديدا نسوان الشعوب الشقيقة في ساعات الليل المتأخرة. لكن هذا كله يعني أن الأخضر هو لون مهم في حياتنا كعرب. ومنه, اختار الرسول (صلعّ) وصحبه المنتجبين, الراية الخضراء شعارا للدولة الإسلامية.
لكن كل هذا, كما تلاحظون, مجرد شعاراتية فارغة يتميز بها العرب
::
موسيقا فاصلة
::
كل هذا كوم والخضار اللبناني كوم
تتميز الأشجار في لبنان بأن معظمها دائمة الخضرة: فهنالك أشجار السرو المحتشمة التي لا تتعرى لا في الشتاء ولا في الصيف رغما عن أنف مشروع الشرق الأوسط الجديد, بالإضافة إلى أشجار الصنوبر, والخروب, والبطم التي تغطي سفوح التلال بما يمنح غطاء نباتيا للأرض, وتكتيكيا لمقاتلي المقاومة, ولا ننسى, في هذه العجالة: أن الكوسا محشي أخضر!
حتى البندورة, مقصوفة العمر, التي عطلت الهجمة الإسرائيلية ريّها في الحقول اللبنانية, ماتت خضراء, نفس الأمر حدث أثناء أزمة البندورة الشهيرة قبل عدة سنوات بين النظام الأردني وبين وزارة الزراعة اللبنانية
(ملاحظة مستقطعة: آها.. إسمها بندورة مش "بنادورة" يا اخوات الشليتة)
بندورة خضراء إذا
كل هذا الاخضرار, إضافة إلى أرزة لبنان التي فتنتت داوود النبي, والتي ترفرف خضراء على علم لبنان في كل فصول السنة, تلك الأرزة المرسومة أيضا وشما على أكتاف حراس الأرز والكتائبيين, وعلى تي شيرتات الشبيبة الفلسطينية منذ عام 82 ومكتوب عليها بحروف هزيلة :بحبك يا لبنان
::
إلى جانب إلى الجبنة الخضرا التي حكى عنها زياد وجوزيف, في معرض دعوتهما لمقاطعة الجبنة البلغارية, هنالك عيون "عليا" التي لم تنزل من بوسطة تنورين منذ بدء اجتياح الليطاني الأول, وذلك تعبيرا عن موقف الإلتحام بالزحام الجماهيري, وتعبيرا عن التمسك ببوسطة الجماهير, وعن رفض الرولزرويس كقيمة, أو لنقل: تعبيرا عن رفض الخلاص الفردي وإن كان هذا الخلاص "مكندش" رغم أن الثورة الفلسطينية في لبنان كادت أن تصل إلى مرحلة الرولزرويس لولا الاجتياح الصهيوني الغاشم الذي يأبى إلا أن يعترض سيرورة التاريخ وتطور شعوب المنطقة (مما يثبت أن صراعنا مع الصهيونية هو صراع وجود)
::
لا ننسى, إذ ننسى: الخلفية الخضراء لمدونة هلال شومان, وخلفية مدونة مجد ولين, ملحقا لمدونة عفيفة, التي لا تدع مجالا للشك بأن لبنان, مثل المرحوم هوشي منه "صديق وفي, للخضرة والغابات", رغم أن جلّ مدونات العرب: سوداء مدلهمة (متدهولة بعبارة أخرى: كتعبير عن الليل العربي المدلهم والمتدهول).. غصن أخضر في هذي الظلمة, يضيء هذي الظلمة
::
وأما الحراك السياسي في هذا البلد الصغير الكبير, فلا يتحرك لا على البنزين ولا على المازوت, بل بالأخضر: بالدولارات التي تدفعها كل الجهات لكل الأطراف المتنازعة في لبنان الشقيق
السعودية تدفع لخطّ الحريري
والسفارة الأميركية تدفع لجعجع وحراس الأرز وأقطاب 14 آذار (وربما للشيوعي)
وإيران تدفع لحزب الله
وجنبلاط يبحث بعينيه الناعستين عمن يدفع له (ملاحظة مستقطعة: ثم لا تنسوا أن الضفدع أخضر)
::
خط اليونيفيل أزرق, هذه مؤامرة لحصار الأخضر, والأرزة الخضراء على العلم اللبناني يحاصرها نهران من دم (أولعلهما قافلتي شاحنات كوكا كولا مرسلتان من الإخوة في الخليج لدعم صمود الشعب اللبناني) وأيلول الأسود أسود, , ولون عيون المصري "إسود غطيس" على رأي الفاجومي, و حزب أيمن نور برتقالي, وشعار كفاية أصفر, أما العلم الأحمر, فقد لاح,( لاح, لاح), من رام الله للشياح, وشيوعي وبإيدو سلاح.
يا إلهي, ما هذا الـ "لوك" الغير متناسق للأمة؟
تنظر في وسط خارطة الألوان هذه فتكاد تقسم: لا وجود للأخضر إلا في لبنان (وفرنسا أيضا, لأن العفيف الأخضر يعيش هناك) فتكاد تقع على الأرض مذهولا من هذا الشعب المحاصر بالبحر والسلك الشائك وغابة الألوان ويواصل حياته, متمسكا بثوابت الأمة, أخضرا.
الحلم اللبناني البسيط والحلو: حلم الأجيال اللبنانية الصاعدة (والمتسلقة على أسوار السفارات) أخضر: باسبور أميركي, أو على الأقل غرين كارد, تمسكا برسالة السلف الصالح (يعني الفينيقيين) في نشر الحضارة في العالم (يكفي أن نعرف مثلا أن نصف محلات الفلافل في برلين, على سبيل المثال, هي محلات لبنانية) فإن لم تستطع نشر الحضارة, فعلى الأقل : أنشر الفلافل: طعاما للغلابا وندّا يصارع الجنك فود في عقر داره
أيها الإخوة الأكارم, أيتها العراقيات الماجدات
نحتفل اليوم, معا, بحدثين هامين في تاريخ الأمة, في هذه المرحلة المفصلية, إذ تمر قضيتنا من مرحلة عنق القنينة (لعلها, انسجاما مع المشهد , قزازة هاينيكين أو كارلسبيرغ خضراء ملقاة في البحر عند سن الفيل)
نحتفل اليوم, معا, بانتصار المقاومة اللبنانية, وبالذكرى المئوية الثانية لميلاد الشحرورة صباح (نسأل الله لها طول العمر وكمال العافية –أو على الأقل: كمال الشناوي- )
إننا, من على هذا "الممبر" نهنئ كلا من
مجد ولين
هلال شومان
أمل (بشقّها اللبناني شديد الاخضرار)
بالسلامة ونتمنى لهم جميعا حياة زاهرة مزهرة مليئة بالإزدهار
و"اللاهي" من وراء القصد