لا تعطنا< يا بحر, ما لا نستحق من النشيد
فنجان قهوة, وشباك مفتوح على مدى الصحرا
فنجان قهوة بساعة العصر, وسيجارة وشمس بتفيع تحتها الغزلان والعصافير وبقايا الغيوم, واللي ضل من نهار بيشبه كل النهارات: نهار مثقل بالخيبات وبالقهر, ونهار بتضويه شمس محايدة وغير قادرة على إضاءة البشر
-ليش القمر بيضوي فينا أكتر ؟-
فنجان قهوة بريحة نابلس, بنص صحرا بعيدة عن الوطن, بعيدة عن ضجة المدينة
وفيروز بتغني بشي ما إلو علاقة بالوضع القائم, بس بالمقابل,دايما هالمخلوقة بتغني أي شي بيقدر يفوتك بهالحالة
حالة من الرغبة بنفض اللي علق من هاليوم بروحك.
فيروز بتغني مرارا وتكرارا : أهواك بلا أمل, والقهوة عم تبرد, والسيجارة بتطلع بهوا الصحرا دخان بيشبه خيط أبيض رقيق بيجرح السما
بيلح على بالي مقطع من درويش
"لا تعطنا يا بحر, مالا نستحق من النشيد"
البحر , كـ "مكان نقيض " عبارة عن حالة, حالة بتشبه كلشي, البحر بيتشيأ فينا صور وتخاييل وذكرى, اليوم البحر جندي متقاعد تعود عالقتل والصمت وما عادت تنهيدات إمرأة قادرة على رفع درجة توتره مليمتر واحد
ريحة البحر, كياس النايلون المعلقة بين الصخور, قناني البيرة وبقايا سجاير الماريوانا.. ختيار ماشي بحد الحد الفاصل بين عالم البشر والموت المحتمل, هي أكتر شي اليوم بيلح على المخيّلة القادرة على فتح ثغرة بأفق الصحرا الرصاصي وملون بالنار
بالصحرا تحديدا, بتشتاق البحر, بالصحرا وبالسجن بتشتاق البحر وبتعطشه
أحمد أبو هنية كان يوقف بساحة قسم 12 بعسقلان المركزي في ساعة الشمس اليومية ويحكيلي: شامم ريحة البحر يا رفيق, والبحر اللي شمّه أحمد بيبعد عن سجن عسقلان شي متل 12 كيلو, بس شو بدك؟ مش غريب الواحد يشم البحر بالسجن ولا بالصحرا
بحب ريحة الأواعي المغسولة, وريحة الخبز, وريحة المطر عالتراب بساعة الصبح لما يكونوا لولاد طالعين عالمدارس, والبنات الداخلات بقصص حب أولى بيخبوا رسائلهم بالقمصان المدرسية الخضرا, وبيفضحهم عصفور بينتفض تحت القميص, والنسوان باتجاه النميمة اللي بتشبه الخبز وريحة التخت بعد السكس, والختايرة اللي بيلاحقوا ضو الشمس الأخير قبل ما تذوب عضامهم برطوبة التراب, بحب ريحة الخبز المغمس بالشاي, وريحة حمامات السجون, وريحة الزعتر والبهارات بباب خان الزيت وسوق العطارين. الريحة اللي بتدخلك عالم التخييل من بابه العريض معدومة بالصحرا, وكثيفة بالسجن وبالبحر
السجن زي البحر, السجن حالة
بس الصحرا؟؟
الصحرا ولا شي, الصحرا هاوية بتبلع قدرتك عالحديث, وبتمسح عن جبينك هذر المدينة, الصحرا أبعد ما تكون عن الوطن, يمكن لهيك الحكومات عملت الجفر بالصحرا, وأبو زعبل بالصحرا, ويمكن لهيك البدوي ما بيرتبط بالوطن بقدر ما بيرتبط بريحة التبغ, لأن دخان سيجارة قادر على رسم حفة السما, وحدود الممكن, والقادر على رسم حدود الصحرا والسما والممكن , سره باتع وبيتحول لنوع من إثبات قدرة خفية وناعمة ومتواطئة مع البشر
البدوي ما في عندو وطن لأن ما بيعرف المطر
ولأن البلد اللي ما فيها مطر, مستحيل تكون وطن, ولأن الوطن بيرتبط حتما بالمطر
الوطن والمطر مربوطين بجدلية بتشبه جدلية المرأة والوطن, بس كس أخت النسوان يخوي يا علي
بتذكر عبارة عظيمة كتبتها على حيطة الأمتناه-غرفة الانتظار بالمحكمة- بالقدس, كتبت شي كان وقتها بيشبه محاولة للهروب من مصير أسود مكتوب على ورقة مختومة
"الحب هو أن تحب وطنا من أجل إمرأة, وأن تحب كل النساء من أجل الوطن"
شو بدك يا علي, مأير من مصغري وزبي مغلبني طول عمري
بحب صوت المطر على التنك, رومانسية فائقة هاي لما تسمع صوت المطر بينقط على لوح صفيح . هاي رومانسية القهر هاي
شو بيعرفك بالرومانسية يا علي؟
صحرا وشمس صار نصها بحد مصر, والسما بتشبه غطا سرير ستي, والعالم ما بينكسر, والسما بتعتم, والسيجارة بالمنفضة, وكباية القهوة بردت وبعدها طعمها بيشبه صوت أبوي الصبح : صوت مر ودافي ومرتبط دايما بالطلعة عالمدرسة.
السيجارة بترسم بالسما شق أزرق فاتح وناعم بيشبه عضة طفل على بز أسمر , بز على أهبة الإنتفاض والصهيل
الشباك مفتوح و فيه بالإبريق شوية قهوة, وضايل بالشمس حز أحمر بيشبه علامة خنجر من نار بآخر السما
أول نجمة بالسما طلعت, والأزرق الكحلي بلّش يطرش الروح والفضا, والوضع مثالي لكتابة شي رح تضحك عليه بكرى, وتشطبو, وبعد شي شهر تتذكر إنك شطبته وتندم
بتذكر حسين البرغوثي, عصفور أزرق بيزور متصوف تركي بالليل, بسأل "شو لوني أنا", بقرر إني مش أزرق بالمطلق, وبحاول أفتش ع لون محايد بيشبهني هلق تحديدا, وما بلاقي لون بيقدر يوصّف حالة الهدوء المشبع بالحزن, بولع كمان سيجارة, بمد إيدي بالبحر اللي على بعد 12 كيلومتر من عسقلان , وبسأل حالي إذا كان أحمد أبوهنية مشروع مجنون في طور التشكل أو شاعر انتهت صلاحية روحه وبعدو قادر على مفاجأتي بالمجاز اللي بيختزل المكان والمحاذير الأمنية والرغبة الدفينة بحضن أفق مفتوح, الرغبة اللي بتجتاح الكل, تحديدا اللي كانوا يتمسخروا عليه
أول الغيث قطرة يا علي
شباك مفتوح عالصحرا لبعيدة عن البحر, شباك فيه كباية قهوة ضل فيها آخر مزة , وسيجارة جديدة بتحرق قبة القميص ,وفيروز بتغني:
بالقهوة البحرية, وطلع بإيديك
وتشرب من فنجانك
وإشرب من عينيك
وتهرب مني , تضيع
وما إرجع لاقيك
وإنت قاعد حدي, وعم فتش عليك
ألله يا جوزف حرب, فيروز بنص الصحرا, بتطلع بالأفق الفاضي من الاحتمالات,
آخر مزة من كباية القهوة اللي طرشت الليل باللي بيهيء الليل للحلم. والولاد الزغار لانتظار الوحوش اللي بتقتحم عليهم غرف النوم وبيتطلعوا عليها من تحت الأغطية بعيون مذعورة, والذكور لوجع الذكورة, والعشاق والمساجين لأغاني ناظم الغزالي والشيخ إمام عيسى, والسكرجية للشرب, تحديدا بالقهاوي اللي قبال البحر
وسيجارة بتضوي وجه بيتطلع من الشباك وبيفكر


