20.9.16

الرجل ذي القميص الأبيض يتمنى لو أن طيزه مفتوحة سنتمترا إضافيا

الكاميرا تنزل، على طريقة معاكسة لخاتمة فيلم فورست غامب، عبر غيمة، نزولا إلى الشارع. بسرعة آخذة في الانخفاض. فلتر يصفّي أصوات أبواق السيارات فلا يبقى في الكادر سوى صوت خبطات أقدام راكضة ولهاث.

نزولا: نحو شارع عبّاس المكتظ بسيارات تقودها نساء بأظافر صناعية وأثداء من سيليكون تقترب الكاميرا من رجل أربعيني وسيم هو أنا (الشباب شباب القلب) . أنا أركض وسيجارة في شفتي. أنظر إلى الأمام نحو نقطة مجهولة. تنزل الكاميرا وتواصل النزول وتواصل النزول وتكبر الصورة بأبعاد ميكروسكوبية إلى أن ترتطم بجلدة رأسي (صوت اللهاث يتضخم، وكذلك صوت دقات كعبي على الإسفلت، وتختلط الأصوات بدقات القلب مع حشرجات مصدرها هلام النيكوتين الملتصق برئتي) ومن ثم تخترق الكاميرا (نعم، كما شاهدتم الأمر في عدة عشرات من الأفلام التوضيحية، أنا لم أقل أبدا بأنني سينمائي، ولذا فإنني أستعين بالكليشيهات الجاهزة) جلدة رأسي وتبدأ في السباحة وسط النبضات الكهربائية.

يهدف المشهد أعلاه إلى تفسير لغز محير: لماذا يركض رجل وسيم وأربعيني، هو أنا.. سيلفر فوكس، بتعبير شذى يعيش. وسط الشارع بهذه الصورة؟  لنندمج في النبضات الكهربائية  ونترجمها، كخدمة مجّانية للقارئ الكريم:

"يلعن الله، نسيت أشخ"
"شو مع الرواية المشتركة مع جابر؟"
"ولاي هالبزاز"
"الجبهة رح يوافقوا نعمل مظاهرة عشان التجمّع؟"
"لم أكتب ولم أرسم منذ زمن طويل. لقد تحولت إلى مجرد جهاز ترجمة وطبخ"
"عنجد عنجد لازم أروح عدكتور، صرت أهمل حالي بآخر فترة"
"وللللاي هالبزاز!"
"أما كيف وأنا صغير كنت أركض سريع.. وتفكيري ولا مرة كان مشتت.. بتذكر مرة كنت...."
"والاااي، هدول أكبر.. هدول أكبر"
وسط النبضات الكهربية للأفكار المتلاحقة، هنالك شريط ذكريات كما تلاحظون.. لنتابع معا شريط الذكريات.. عودة بالزمن إلى الوراء لمدة خمس وستين دقيقة.

::


موسيقا تصويرية هادئة: فلاش باك

أخيرا، قال الرجل الأربعيني لنفسه، هدأت حديقة الحيوانات التي أعيش فيها. وها أنا على وشك إكمال أعمالي. سيكون يوما مثاليا:  الأولاد في المدرسة.. لدي ساعة كاملة لإنهاء العمل. ها قد وضعت الطبخة على النار، وها قد شارفت على الانتهاء (مما سيجعلني أتفرغ للبدء بكتابة المقال الذي وعدت صديقا عزيزا بكتابته منذ أكثر من شهر) وها إن رائحة الطعام قد بدأت تملأ البيت، وها قد أخذت لنفسي استراحة من الترجمة لكي أقوم بتنظيف سريع للمطبخ الذي يخدم حديقة حيوانات أعيش فيها. وها ها هاهاهاه . الأقدار تضحك: فأجلس لكي أستريح.. لقد نمت في تمام الساعة الثانية، وصحوت في الثالثة والنصف لكي أكمل العمل. إنني تعب قليلا. ولا بأس في النوم لمدة خمس دقا...... ساعة !! ساعة كاملة!!!!

صحوت مصعوقا وأنا أنظر إلى شاشة الهاتف: سبعة مكالمات غير مستجابة، والساعة الآن الواحدة. بيني وبين المدرسة ربع ساعة من السير.. بيني وبين الحنفية والانتهاء منها خمسة دقائق تلحقها دقيقتان من ارتداء ملابس على عجل.  وهوب أنا في الشارع المكتظ بأثداء السيليكون. فليذهب العمل إلى الجحيم، وكذلك المكالمات، وكذلك المقال والصديق. أنظر من النافذة نحو الميناء: قافلة من السفن .. قافلة! كلها قاعدة أمامي في البحر وتشتهي، بينما الرياح الملعونة تجري، على عكس ما تشتهي.

::

فور شادو:


لكنني مستعجل، لا وقت للتفكير في الترهات:  أقفز الدرجات، درجتين درجتين، على الطريق رئيسة لجنة العمارة، تبادرني التحية لتبادر في افتتاح موضوع نقاش اليوم، لكنني أقول لها بحزم، مرحبة (ما من ألف في نهاية الكلمة بل تاء مربوطة، حاسمة، قصيرة، هذا معناه أنني مستعجل جدا، وحلّي عن خزق صرم باب شلاطيف دُبُر مقعدة طيزي) أركض وسط الشارع وألهث واسحب نفسا من النيكوتين، ثم أتمنى لو أن فتحة طيزي مشلوقة سنتمترا إضافيا لكي تتسع خطوتي سنتمترا إضافيا (هنالك لربما ثلاثة آلاف  خطوة بيني وبين المدرسة.. ثلاثة آلاف خطوة مضروبة بسنتمتر إضافي. هذا يعني توفير ثلاثة أو أربعة دقائق  من الدموع على باب الصف).

في طريقي، تنفرج ابتسامة عن أسنان صفراء وقلب كبير: إنه هاني، زميلي السابق في العمل. صديق حقيقي. أراه للمرة الأولى منذ أربعة سنوات.. ابتسامة صفراء وواسعة مع قحّة. أقطع الشارع نحوه لأسلّم عليه، وفي الرأس ارتباك: إتكأ هاني على الجدار.
إن اتكاءه على الحائط يعني رغبة في الحديث، رغبة في الحديث يعني رغبة في السؤال عن الأحوال واستعراض أحواله التي لا بد تحسّنت منذ افترقنا (سأكذب عليه ذات الكذبة أيضا) وهذا  يعني تأخير بضعة دقائق عن يعاد وغسان. أعتذر منه، لا بدّ سيفهم. لا بدّ وأنه رآني وأنا أركض، بقميص غير مكوي وبوجه استفاق للتو من النوم.  لا داعي لأن أقول له بأن أوضاعي قد صارت فوق الريح منذ أربعة  سنوات حتى الآن. سيفهم لوحده.

::
أهرول في الشارع..

على بعد خمسين مترا، قبل خمسة دقائق، يتفّ الولد إبن الشرموطة حبة العلكة الممضوغة على الأرض. في طريقه من المدرسة إلى بيته. وها أنا ذا، أخطو على حبة العلكة فتلتصق بقاع حذائي.. ثم  على بعد عشرين مترا من تلك النقطة،  قبل ثلاثة دقائق يلقي العاطل عن العمل بورقة ياناصيب بعد أن قرر التوبة إلى الله، وهي كما تعلمون الورقة الرابحة بالجائزة الكبرى: عشرين تلاف مليون شيكل.
أنتبه إلى صوت غريب يشحط في قاع حذائي، لابد أنها ورقة ياناصيب.  لكنني متأخر ، لا وقت لديّ لتفحص الورقة، أشحط قاع الحذاء بالأسفلت. وأواصل السير.

في الطريق أنتبه إلى سمكة ذهبية تومئ إلي وتهم بالحديث، أتجاهلها، لا وقت لدي للتمنّي الآن. وأصطدم بحب حياتي نسرين (التي أحببتها حبا طويلا وصامتا أثناء مراهقتي) تلمع عينها، لكنني مستعجل (ما الذي جاء بها إلى حيفا الآن؟ كس إمها) أقول لها: آسف يا أخت، وأغذ السير. وفي الرأس الصورة التالية:


إبني يبكي أمام البوابة وسط الرياح والزمهرير والأمواج العاتية (هل تعلم بأن التسونامي، لديه تسمية عربية هو الأمواج العاتية؟ عرف العرب قديما التسونامي في رحلاتهم المتعددة – في فلسطين، أصاب تسونامي مرة الساحل الفلسطيني فقضى على عدة مئات من أهلها- - ثم : هل تعلم أنني قد نسيت الطبخة على النار؟) هوب هوب.. كل هذه معلومات بلا علاقة. المعلومة الوحيدة التي ينبغي أن أركّز فيها الآن هي الطريق الممتدة بين إبهام قدمي الأيمن.. قصدي الأيسر.. قصدي الأيمن.. لا يهم. إبهام قدمي التي في هذه اللحظة تماما إلى الأمام، وباب صف غسان، ومن ثم يعاد. أنظر إلى الساعة.. إنها الواحدة وعشرة دقائق. رقم قياسي يحققه مهند في التأخير على الأولاد. بعد دقيقتين ستفرغ الساحة من الأهل والأولاد. أنظر إلى الهاتف مرة أخرى.. ثلاثة مكالمات فائتة خلال الدقائق الخمس الأخيرة. قررت منذ أيام عدم الرد على أية مكالمة، تلافيا للذبحة الصدرية (’صدرية‘... همم.) هوب. أنا على الإشارة الضوئية.. هذا يعني بأن لدي دقيقتي انتظار قبل أن أتمكن من قطع الشارع.

::

في خلفية رأس الرجل ذي القميص الأبيض المجعلك، الذي تقطر الآن من جبينه قطرة مالحة من الماء، في خلفية ذلك الرأس، تحت الجلد مباشرة جمجمة، وتصطخب داخل هذه الجمجمة كومة من مشاعر الذنب. يتذكر الرجل ذي القميص الأبيض غير المكوي، الذي ارتداه على عجل، يوما كان فيه طفلا في روضة أطفال جبل الزيتون، كان عائدا مع أخته من محطة الباص نحو المنزل.. صعودا عبر ’طلعة العبّاسي‘. شارع صاعد نحو قمة الجبل، يتلوه نزول على السفح نحو المنزل. بدأ المطر يتساقط، وقد أعجبني أنا وأختي منظر الماء الذي ينزل من أعلى الشارع،  ينزل على شكل أمواج ويبدو كأدراج كهربائية.. قررنا ’صعود‘ الأدراج الكهربائية.. بضعة دقائق ويبدأ التسونامي. الرياح عاتية وكذلك العتمة. والبرق (هذا مشهد حقيقي جدا) الشارع خالي تماما من السيارات، أصبنا أنا وأختي بالرعب. وبدأنا بالبكاء. أظن أن عمري كان أربعة أعوام وقتها (يا لقلّة مسؤولية الأهل) وأختي تبلغ من العمر ثلاثا. أذكر بأن الرياح وقتها قد طيّرت لوحا من الزينكو في السماء، وقد قصّ اللوح إنسانا من وسطه (هذه قصة حقيقية جدا)  أغصان الأشجار تطير على شكل دوائر وتصطدم بأي شيء. تغطى الشارع بأوراق الصنوبر الصفراء المحمولة على ظهر السيول، وبدأت بالتكتل في الزوايا.

فجأة، تصدم كتل بيضاء بالإسفلت المبلول.. ثم تصعد يائسة نحو السماء لتسقط مرة أخرى وتتدحرج. إنه البَرَد. لسعة البَرَد على جلد الوجة تشبه لسعة إبرة، حاولنا أن نحمي وجوهنا، بناطيلنا صارت مبتلة حتى الكلاسين. برق ورعد.  يخترقان العتمة التي تحيط بالأشجار التي تحيط بالشارع الذي نغرق في السباحة نحو أعلاه. أختي تبكي، أصبنا باليأس. فكرنا لوهلة بدق باب أحد المنازل للاحتماء، لكن القصص المرعبة عن اختطاف الأطفال منعتنا. وقفنا هكذا، وسط الشارع، وضوء أزرق فاتح يشع في الخلفية، يتبعه صوت مرعب. كان الله ينظّف السماء يومها، وقد استخدم الكثير من الصابون والماء (الشارع امتلأ برغوة هي نتاج التراب الجيري وأوراق الأشجار) والملائكة تضرط بروقا ورعودا. وبدأت كتل البرد الأبيض بالتجمع على جوانب الشارع الذي صار زلقا. كنت تسير على كرات صغيرة من الثلج وتتزحلق. توقفنا تماما.

 ثم  موسيقا كنائسيّة: ظهر، من أعلى الجبل، مارد طويل ومضيء، هو أبي، بنظارته المربعة، لا زلت أذكر موجة الدفء والأمان التي اجتاحتنا. كان يركض باتجاهنا، كما أركض أنا الآن تحت الشمس وبين الأثداء البلاستيكية نحو غسان ويعاد. كان أبي يقترب منّا، ونحن نجاهد للركض صعودا. كادت ساقاي تخونانني (وهذه قصة حقيقية أيضا: في صغري كانت سيقاني تخونني لأسابيع طويلة أفقد فيها الإحساس بالساقين، وأظل قعيدا) لكنني تحاملت، وهوب، حملنا أبي دفعة واحدة، أنا وأختي، وصعد بنا الجبل، وكان المطر والريح والعتوّ والعتمة والأغصان والبرد وحبات الرز المثلج المتساقطة من الغيم كلها مجرد مزحة، تتكسر على هالة من الضوء تحيط بأبي الذي لم تصدر عنه تنهيدة واحدة، حملنا حتى المنزل، وجففنا. إنتهت القصة.

غسان على باب المدرسة الآن، هوب، الإشارة الضوئية صارت حمراء من جديد، اللعنة على الخيال. سأضطر للانتظار. لن أنظر إلى شاشة الهاتف. أفكر في الطريقة التي سأعتذر بها من كل من غسان ويعاد.

يا لبؤس حياتي!

::


ها أنا ذا في الشارع، أحمل يعاد على رقبتي المتعرّقة. في يدي اليمنى حقيبتين إحداهما عليها صورة سبايدر –سوبر- فاكن مان رينجر ، والأخرى عليها صورة إيلزا (تغني إيلزا أغنية معناها : أفلتها.. أفلتها، فأتخيلها تتحدث عن ضرطة كبرى).  وغسّان يمسك بطرف قميصي ونحن نقطع نحو الرصيف المقابل.
- بابا، كان في ديناصورات بحيفا قبل ملايين السنوات؟
- أكيد حبيبي
بابا .. بتسدّء إن إيلزا بتغدرش تجمّد البحر؟
- والله بسدّء يا يعاد
- واااو، يعني إسّة لو بنحفر تحت الشارع، بنلاقي آثار أقدام ديناصور؟