15.12.16

متى صمت الزيغزاور؟


أنا أبحث عن النقطة التي انكفأ فيها العالم، عن اللحظة التي انحنى فيها ما تبقى من اللهب نحو الأرض، إصفرّ ثم تحوّل إلى البرتقالي، تراقص قليلا، وغرق في دخان يبشر بالانطفاء.
حدث هذا لعلاقتنا، وحدث ذلك أيضا، كما أذكر، في إحدى بلدات الضفة ، على جبل يقابل مستوطنة: كان "نورس" على صفحة الجبل المقابل ، يطلق النار من رشّاش إسمه "زيغزاور" . كان صوته مميزا، وكانوا يطلقون على قطعة السلاح المقحّطة والمزعجة تلك، إسم "رعد". لأن صوتها كان غريبا. (كان نورس يقول دائما : بأنّ "نسبة التوتر تخفّ في الدمّ، كلما ارتفع منسوب الشاي فيه". وكان يقيس وقته بالسجائر.. كان يقول "بكون عندك خلال ثَلِثْ سجاير". وكان فمه مزرعة خصبة لكل أنواع البيكتيريات التي تستطيب السباحة في اختمار الشاي المختلط بالنيكوتين، بالكلمات البذيئة (أظن أنني لا زلت إلى اليوم أحاول تقليده في الشتم، ثم أفشل) . كان نورس ليلتذاك على صفحة الجبل. في العتمة، ينزلق بهدوء على صخرة نحو شجرة زعرور، وينصب قلبه مقابل الوحش الغافل، المعزز بالكشّافات وبالمدافع الثقيلة. ثم يفتح، بيديه اللتان اصفرّتا من سجائر الإمبريال، أبواب الجحيم
حوصر المهاجمون. حوصروا برصاص الخمسمئة من كل اتجاه، وانسحب معظمهم، باستثناء حامل بندقية الزيغزاور. وفي العتمة، كان الرفاق، والبلدة كلّها، ينظّمون دقّات قلوبهم على وقع الزيغزاور.. كان صوتها مميزا، من ضمن مليون طلقة، ومليون جحيم، وتحت ألف شتلة بطم وزعتر. كان الضجيج يصب النار على صفحة الجبل. صمت. ومن ثم طلقة أو طلقتين من الزيغزاور. التماعة في العيون واحتباس في الرئتين .. ها هو لا يزال حيّا... ثم جحيم آخر. ثم طلقة. ثم جحيم، ثم طلقتي زيغزاور.
كان النورس يرغب بأن يقول لسكان البلدة المجاورة الغارقة في العتمة: أنا هنا لم أمت. فهو بالطبع لم يكن يخطط لثقب التحصينات على بعد مئتي متر هوائيين، برصاصتين منفردتين كل خمسة دقائق. كان مجرد يقول للجميع: أنا هنا، شباب، لم أمت بعد. وفيما بعد، تباعدت أصوات طلقاته .ثم صمتت. أخفى سكان هذه البلدة وجوههم تحت الأغطية وغرقوا في نحيب طويل. وفي الصباح، بعد أن سحب الأولاد أشلاءه من الجبل، تحت المطر والمناظير المكبّرةللمستوطنة، شيّعته المدينة ، من باب المشفى الحكومي، مثقوبا ومهلهلا وصامتا إلى الأبد.
هذه هي النقطة التي أبحث عنها: متى صمت الزيغزاور؟! متى انكفأ؟!
أنا أبحث عن النقطة. عن هذا الانكفاء في عضلة القلب، هذه النقطة الفاصلة، التي ستشقّ عالمي إلى عالمين لا التقاء بينهما: شبّيحة، وبشر!
::
بعض الشبّيحة، مكانهم في القلب. أصدقاء ورفاق كثر. تمنّيت أن أسكر معهم مرة واحدة نهائية قبل أن نفترق كأعداء. لكنّ اللهيب اختنق، والعِداء ليس مباريات أوليمبية، يمكن افتتاحه بطقس احتفالي. (كما أن المحبّة لم تكن بحاجة إلى مراسيم دفن، فقد صارت هي أيضا أشلاء مثقوبة).
أنا، يا أصدقاء، أبحث الآن عن النقطة التي تحوّلتُ فيها إلى أجندة، وتحوّل فيها أصدقائي إلى شبّيحة.
أبحث عن النقطة التي توقّفت فيها عن الخوف على عباءة مولاي السّيد الحسينيّ المعمّم من دمه (قلق كثير انتابني دائما، من لحظة اغتياله). وعبّأتُ في جمجمتي صور الضحايا الأطفال، الذين ما إن شاهدت أحدهم، لم أتمكن من وقف قدرة التخييل على وضع صورة ابني مكانه. يحدث ذلك في كل مرة. (ويحدث أيضا، حين أشاهد تعذيب شبّيحة الأسد، أو إعدامات داعش والنصرة، لجنود يرتجفون من قرب الموت، أن أفكر في موتي أمام عدسة فيديو: هل سأبكي طالبا الرحمة؟ هل، إن قلتُ أمرا شجاعا، سيبثّون الفيديو؟ هل سأموت أصلا بغير سرطان الرئة وأنا أبتعد عن الذين أحبهم بهذا المقدار وأمعن في التدخين؟)
بعد كم سيجارة؟ بعد كم مليون سيجارة، سنلتقي أيها الرفاق تحت تراب واحد، نصمت ونستسلم للدود الذي يسرح على جثثنا، ونحدق في وجوه بعضنا ونبتسم بودّ؟
::
هذا العداء نحو الشبّيحة سرطان هو الآخر، سرطان نهائي لا شفاء منه. يؤلم كثيرا، لكنه أيضا موقف من الحياة: عليك أن تقطع ما تستطيع من أعضائك الداخليّة لتحافظ على النظيف من جوفك. ثم تدفن كل هذه القطع في التراب وتترحّم عليها.
أنا دفنت، أكثر من آخرين كثيرين غيري، قطعا من قلبي في الأرض: بكيت على شهداء عرفتهم عن قرب، كانوا أصدقاء حقيقيين، لكنهم أيضا تمترسوا على الجانب المقابل لكل الأطفال الذين أرى فيهم صورة ابني على يوتيوب. الأمر مؤلم، لكن القومية، والمؤامرة، والمقاومة، والممانعة، كلّها تحاميل بنكهة النعناع، يجلس عليها أصدقائي ويستطيبون الجلوس. فيما يُذبح إبني مليون مرة على يوتيوب، بالكلور وبالبراميل وبالميغ. ويقهقهون، أصدقائي أولاد الـ "سيدة المعطاءة" (عليّ أن أكون حذرا لكي يتم نشر هذا المقال من دون بتر ) ، هؤلاء: يصفقون لذبح ابني!.
::
متى صمت الزيغزاور؟ متى متنا جميعا؟ لا أعرف.. والله لا أعرف!!
لكن رفاقي، في جبهة المقاومة والممانعة والتصدي، والانتصاب المائل إلى الأعلى. رفاقي الرافضين لكل شيء. يمعنون في رفع الأنخاب فرحا بموتنا جميعا. ويستعيضون عن المنطق برفع إثباتات لها ذقون، تلبس الباكستاني، وشباشب بأصابع زنّوبة، ليقولوا لي بأن الحرية في فلسطين هي غيرها في سورية.
رفاقي، هؤلاء، في جبهة المقاومة والتصدي، لا يعرفون بأن التراب في هذه البلد، مكوّن بشكل أساسي من جثث الغزاة والمشاريع والمؤامرات، وكما قلتُ في معرض نقاش سابق "لن يضير هذا التراب، أن يضيف بعض الخراء الشيشاني والوهّابي إلى مكوناته".
::
قبل أسبوع، قمت مع رفاق لي، بعضهم مؤيد لنظام بشار، بتوزيع نشرة لإحياء ذكرى الانتفاضة. فسألني صديق يؤيّد الثورة : أتنشر في صحيفة لها رائحة دم؟ . بعد يومين من ذلك التاريخ، نشر موقع يعمل بطاقة الغاز الطبيعي، خبرا حول نشاط إحياء ذكرى الانتفاضة الفلسطينية. فسألتني صديقة تشبّحت مؤخرا: أتنشر في موقع له رائحة الغاز؟
توقّفت عن الشمّ، أيها الرفاق: أنا كائن عضوي يستهلك اليوتيوب والنيكوتين والشاي والشتائم والحلم بسورية الحرّة، العارية، التي ستدفع بساقها حتى المرفق، لكي تصل التحاميل بنعناع إلى حلوقكم. ستجدون أن طعم النعناع أطيب، هنالك
نلتقي بعد مليار سيجارة. عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد!